University of M'sila |

Academic Staff

NameMailPhone Number
menasri abderrazekabderrazek.menasri@univ-msila.dz
abderrazzek.ghezal غزال abderrazzek.ghezal@univ-msila.dz
abdeslem.bouzabra abdeslem.bouzabra@univ-msila.dz
LAMICHE لميش Abdessamed عبد الصمدabdessamed.lamiche@univ-msila.dz0550659872
SAOUDI ABDESSAMEDabdessamed.saoudi@univ-msila.dz0661742928
abdessattar ghemouguiabdessattar.ghemougui@univ-msila.dz
Abdesselam HOCINIabdesselam.hocini@univ-msila.dz0559333462
benyahia abdesslamabdesslam.benyahia@univ-msila.dz
.hammal abdesslemabdesslem.hammal@univ-msila.dz0561770125
Abdlmalik BENDAIKHAabdlmalik.bendaikha@univ-msila.dz
HARIZI ABDELHADIabedelhadi.harizi@univ-msila.dz0661993605
abid .grainiabid.graini@univ-msila.dz
graini abidabide.graini@univ-msila.dz0774973052
chekioua ablaabla.chekioua@univ-msila.dz
houichi ablaabla.houichi@univ-msila.dz
abla mazouziabla.mazouzi@univ-msila.dz778556906
achour.allouti achour.allouti@univ-msila.dz
بدار عاشورachour.beddar@univ-msila.dz0663162342
There are 1492 Teacher registered. ( 83 Page )
NameMailPhone Number
mohammadi mounamouna.mohamadi@univ-msila.dz
khedar mounirmounir.kheddar@univ-msila.dz
seghiour mouniramounira.seghiour@univ-msila.dz
gouffi mouradmourad.gouffi@univ-msila.dz
benattia mustaphamustapha.benattia@univ-msila.dz035760132
nacer abdelaziznacer.abdelaziz@univ-msila.dz
barka nacernacer.barka@univ-msila.dz0667835302
kefsi nadianadia.kefsi@univ-msila.dz
oukali nadjahnadjah.oukali@univ-msila.dz
chikhi nadjetnadjet.chikhi@univ-msila.dz
Nassima Baghdadinassima.baghdadi@univ-msila.dz0796273057
Harizi Nassiranassira.harizi@univ-msila.dz
gharib nawelnawel.gharib@univ-msila.dz
lehimeur noureddinenoreddine.lehimeur@univ-msila.dz
norelhouda hallabnorelhouda.hallab@univ-msila.dz
nour abdrachidnour.abdrachid@univ-msila.dz
guettouche nouranoura.guettouche@univ-msila.dz0792631005
refice noureddinenoureddine.refice@univ-msila.dz
Result : 200 Teacher.

ouassini, benabdallah

Grade : MCA

Faculty : lettres et langues

Department : Lettre arabe

Speciality :

Address :

Phone : 0794427574

Email : ouassini.benabdallah@univ-msila.dz

International publication

منهج أبي عبد الله بن مريم المَديوني في التّرجمة لعلماء تلمسان
في كتابه البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان.
- قراءة نقدية في الكتاب –
The Method of Abu Abdullah Ibin Mariam al Madiouni in the Definition of the Tlemcens Scholars (Scientists) in his book: « Al BUSTAN In the talk about the Awliyaa and Scholars (Scientists) in TLEMCEN » -Critical reading in the book-
د.بن عبد الله واسيني.
أستاذ محاضر صنف "أ"
قرآن كريم ودراسات أدبية. جامعة- المسيلة- الجـزائر.
الإميل: oammine@yahoo.fr
ملخص
يهدف هذا البحث إلى شرح منهج ابن مريم الميدوني في التعريف بالعلماء في كتابه البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان؛ حيث قدّمتُ ترجمة موجزة عن صاحب الكتاب، وتعريف موجز للكتاب، ثم أبرزت منهجه باختصار في التعريف بعلماء تلمسان، وقد قمتُ بنقد بعض جوانب هذا المنهج من خلال التعليل والتفسير.
وقد أظهر لنا المؤلف رحمه الله تعالى جوانب من حياة هؤلاء العظماء، وكذلك أظهر لنا الحياة الاجتماعية والتاريخية والسياسية والعلمية والأدبية والثقافية التي كانت سائدة في عصرٍ لا نعرف عنه الكثير، وفي مدينة امتازت عن غيرهما من المدن في كل هذه المجالات التي ذكرتُها آنفا. ووصل البحث إلى نتائج جليلة أهمها الثروة العلمية والأدبية التي امتاز بها هذا الوطن العزيز.
الكلمات المفتاحية: المنهج، تلمسان، البستان، التّرجمة، قراءة نقدية.
S u m m a r y:
The objective of this research is to Explanation the method of Ibin Mariam al Madiouni in the definition of Tlemcens Scholars (Scientists) in his book: Al BUSTAN In the talk about the Awliyaa and Scholars (Scientists) in TLEMCEN; Where I initially presented a brief definition of the author, and a simplified definition of the book,and I presented his method in shortness in the definition in of Tlemcens Scholars, and I have been critical of some aspects of this Method through the reasoning and the interpretation.
The author, may Allah have mercy on him, showed us aspects of the life of these great men, He also showed us the social, historical, political, scientific, literary and cultural life that prevailed in an Time of which we do not know much. And in a city that was different from other cities in all these areas mentioned earlier.
The research reached great results, the most important of which is the scientific and literary wealth that characterized this dear country
Key words: The Method, TLEMCEN, Al BUSTAN, The Definition, Critical reading.

مقدمة
إن مقياس تقدّم الأمم ورقيها يرجع إلى ميراثها الأدبيّ والعلميّ، ولا يمكن لأيّة أمّة أن تسير في الطريق الصواب وفي النهج الصحيح ما لم يكن لها علماء في شتى التخصّصات؛ ينِيرون ضربها، ويصوّبوه خطأها، ويقوّمون اعوجاجها، ويدفعون عجلة التنمية العلمية والثقافية إلى أرقى الدرجات وأعلاها، وحريّ بنا في هذا المجال أن نتعرّف على تراثنا الأدبي والعلمي والاجتماعي بالتعرّف على الباحثين الذين أثروا مكتباتنا وحياتنا العلمية والثقافية.
وهذا ما وجدناه عند الإمام المديوني أبي مريم الذي أبرز لنا جملة من علماء هذا البلد الكبير، وفي مقدمتهم تلمسان الحضارة التي لم تكن تمثل مَصرها ولا حدودها آنذاك وإنما كانت تمثل الجزائر كلّها شرقها وغربها، وحتى في الخارج من تونس والمغرب وغيرهما.
من أجل ذالك جاء هذا البحث ليسلّط الضّوء على منهج الشيخ المديوني في ترجمته للباحثين والعلماء والفقهاء والشعراء وغيرهم، وقد أبرز لنا المؤلف جوانب من حياة هؤلاء العظماء، وكذلك أظهر لنا الحياة الاجتماعية والتاريخية والسياسية والعلمية والأدبية والثقافية التي كانت سائدة في عصر لا نعرف عنه الكثير وفي مدينة امتازت عن غيرها من المدن في كل هذه المجالات التي ذكرتُها آنفا.
وقبل الحديث عن الموضوع رأيت من المهمّ أن نتعرّف على هذا الشيخ وعلى كتابه البستان على النحو التالي:
ترجمة موجزة لصاحب الكتاب:
لنتعرّف على هذا العالِم والإمام لا بأس أن نقف عن نسبه وموله، وشيوخه وتلامذته، وآثاره ومؤلفاته، وأخيرا نتعرّف على سنة وفاته.
نسبه ومولده:
هو الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد أبو عبد الله الشّريف، المَدْيُونِيُّ أصلا والمَلِيتِىُّ نسبا، مؤرّخ بحّاثة تخصّص في عدة علوم، من فقهاء المالكية، الملقب بابن مريم الشريف( ). ونجد في بداية كتابه البستان:" المديونيّ نجّارا، التلمساني منشأ ومولدا ودارا"( ).
ولد بتلمسان من عائلة تنتسب إلى أشراف قبيلة مليتة( ). نشأ بها وأخذ عن أبيه مبادئ اللغة والفقه، وتلقى تعليمه الأوّليّ بمدارس تلمسان. يعدّ من أبرز فقهاء تلمسان في عصره لمعارفه الفقهية واللغوية، فاهتم بتقييد الأخبار وقراءة الشروح اللغوية.
وقد اشتهر بزهده وتفوّقه في المسائل الفقهية، وقد امتهن مهنة التّعليم منذ صغره عندما كان يخلُف أباه عند مرضه، وبقي كذلك بعد وفاة والده، يقول في ذلك:" تماديتُ على ذلك؛ فتخرّج عليّ والحمد الله بدعاء والدي وبركته أزيد من أربعين ولداً، كلّهم يحفظون القرآن، وبعضهم علماء يُدرِّسون العلم في كل فن من العلوم الظاهرة والباطنة"( ).
قال عنه تلميذه الفقيه "عيسى بن محمد البطوئي السعيدي" في كتابه "مطلب الفوز والفلاح في آداب طريق أهل الفضل والصلاح" نقلا عن الدكتور عبد القادر بوباية ما نصه:" قد مَنّ الله تعالى عليّ بملاقاة الشيخ الإمام الصوفي الهُمام، دُرّة أقرانه وسنوسيّ زمانه أبي عبد الله المذكور بيانه؛ فمتعتُ النفس والعين من مشاهدته ومن جميل لقائه، وتزودتُ منه ما ينفعني الله به دنيا وأخرى من جليل علومه وأحواله وصالح دعائه؛ فما رأت عيناي قطّ مثله خَلقاً وخُلقاً وإنصافاً وحِرصاً على العلم، ورغبة في نشره، واجتهاداً في طلبه، وإدماناً على تلاوة الكتاب العزيز، وتواضعاً وخشية ومودة وصبراً، واحتمالاً وحياء، وصِدق لهجة، وسخاء وإيثاراً، ومواظبة على قيام الليل، وتبحراً في سائر العلوم الشرعية، وحُسن إدراكٍ وقوة فهم، وحُبّاً في الخير لجميع المسلمين"( ).
هذا النّص يبرز لنا مقام الإمام المديوني، وغزارة علمه، واجتهاده في كثير من العلوم، مع الخُلق الحسن والتواضع.
شيوخه وتلامذته:
أورد عبد القادر بوباية عن الشيخ البطوئي أسماء الشيوخ الذين أخذ عنهم ابن مريم معتمداً على ما كتبه المؤلف نفسه؛ حيث يقول:" الشيوخ الذين أخذت عنهم القرآن: والدي رحمه الله، وجعل الجنّة منْزِله ومأواه، والشيخ سيدي عبد الرحمن بن تاغريبت والشيخ سيدي محمد بن فارس، والشيخ سيدي محمد الوجديجي، والشيخ سيدي عبد الرحمن السّاباني، والشيخ سيدي محمد الدرّار، والشيخ سيدي عثمان بن معرف، والشيخ سيدي زيان، والشيخ سيدي عيسى بن عبد الرحمن الصّميمي، والشيخ سيدي محمد العطّافي، هؤلاء قرأت عليهم القرآن، وأخذت العلم عن الشيخ سيدي أحمد أبركان الورنيدي، والشيخ سيدي أحمد حدوش، والشيخ سيدي الهامل الوجديجي، والشيخ سيدي محمد أبو السادات المديوني، وابنه سيدي محمد الصغير، والشيخ سيدي محمد بوزوبع الكناني، والشيخ سيدي سعيد المقري، والشيخ سيدي عيسى بن سلامة المستغانمي"( ).
أما عن تلامذته، فقد ذكر الدكتور عبد القار بوباية نقلا عن البطوئي أسماء من تتلمذ على الشيخ ابن مريم، ويدل عددهم الكبير على شدّة إقبال الطلبة عليه من كل حدب وصوب، أذكر منهم: علي بن منصور الشرقي، والفقيه محمد شقيقه، والفقيه محمد بن يوسف الشرقي، والفقيه محمد الندرومي، والفقيه محمد بن عبد الله الحداد، والفقيه موسى بن أحمد، والفقيه محمد بن سليمان الحجّار، والفقيه محمد بن عبد الله، والفقيه أخي بلقاسم ابن مريم، والفقيه محمد الساباني، والفقيه محمد البطحي، وولده سيدي محمد الصغير بن جملة، والفقيه الجليل أحمد المقري؛ صاحب الفتوى بفاس، والفقيه سعيد بن أحمد المقري الجوّاز، والفقيه عثمان الراشدي العطّافي، والفقيه محمد الزنداري، والفقيه الجليل محمد السنوسي بن سيدي عبد الرحمن بن موسى الوجديجي، والفقيه عمر بن عبد الرزاق، وأحمد الجراري، والفقيه الحاج عمر الحانوتي، والفقيه علي بن موسى..."( ).
يدلّ هذا العدد من الشيوخ والأساتذة وممن تتلمذوا على يد فقيهنا على ورسوخه في العلم وعلى مكانته العلمية في تلمسان وفي كل المغرب آنذاك، كما مهنة التدريس التي ظل مواظبا عليها حتى وفاته هي التي كانت سببا في كثرة الوافدين عليه.
مؤلفاته:
ذكر ابن مريم في آخر كتابه أن له أحد عشر تأليفاً أغلبها شروح وتقاييد في أمور الفقه والعقائد والذكر والكرامات والزهد والتراجم... أشهرها كتابه الذي بين أيدينا في التراجم. ومنها: ( ).
 تحفة الأبرار و شعار الأخيار في الوظائف والأذكار المستحبة في الليل والنهار.
 غنية المريد لشرح مسائل أبي الوليد.
 فتح العلاّم لشرح النصح التام للخاص والعام. لإبراهيم التازي.
 كشف اللبس والتقييد في عقيدة أهل التوحيد.
 التعليقة السنية على الأرجوزة القرطبية.
 شرح على مختصر الصغرى.
 تعليق على رسالة خليل. في ضبطها وتفسير بعض ألفاظها.
 شرح المرادية للشيخ التازي.
 تفسير لبعض الحكم.لم يكمله.
وفاته:
ذكر عبد القادر بوباية الذي قام بعرض الكتاب وتقديمه أن الذين ترجموا لابن مريم لم يذكروا تاريخاً محدداً لوفاته، وقد اختلفوا في ذلك اختلافا كبيرا، حتى اكتفى بعضهم بذكر التاريخ الذي كان فيه على قيد الحياة، بالاعتماد على تاريخ وفاة أحد الذين ترجم لهم المؤلف في كتابه، ومنهم أبو القاسم محمد الحفناوي الذي قال: "ومن تاريخ تأليف البستان يُعلم أنه كان حيّاً سنة 1014 هـ( ).
والقول الأقرب إلى الصّحة في هذه الأقوال أنّه توفي ما بين 1020هـ و1025هـ في مدينة الحناية( ). قرب تلمسان. فرحمة الله عليه وعلى كلّ علماء هذا البلد الطّيّب.
تعريف عام بكتاب "البستان في ذكر العلماء والأولياء تلمسان":
يعدّ الكتابُ عن معجما تاريخيا لعلماء تلمسان وأوليائها وفقهائها وشعرائها وغيرهم مرتّبا ترتيبا ألفبائيا، عنوانه "البُستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان، أو البستان في ذكر مناقب أولياء تلمسان" جَمع فيه آثار عظماء تلمسان في عصره( ).
وتضمن تراجم مفصّلة لـ مائة وانثنين وثمانين (182) عالماً وفقيها ووليًّا صالحًا معظمهم ولدوا في تلمسان، أو عاشوا بها، أو تعرّفوا عليها؛ ومنهم من غادرها إلى ديار أخرى، فكانت طريقا إل غيرها، ومنهم من وافته المنيّة بها.
ويعد هذا الكتاب من أهم كتب التراجم التي عرفت بالأولياء والعلماء والمدرسين والأدباء، ومصدر أساسي للتعرف على الحياة الثقافية والعلمية والدينية بتلمسان وأمصارها خلال الفترة الممتدة من القرن السادس إلى الحادي عشر للهجرة.
وقد عُرض الكتاب كمخطوط بمعرض كنوز الجزائر للمكتبة الوطنية الجزائرية في تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية، من جملة الكثير من المخطوطات والمصاحف القرآنية والمخطوط تحت رقم:1736.
وقد ذكر صاحب الكتاب سنة انتهائه من تأليفه ومكان كتابته له، فقد قال في خاتمة الكتاب:" وهاهنا انتهى الغرض في ما قصدناه، على الوجه الذي بيّناه، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وفي سنة اِحدى عشرة وألف بمدينة تلمسان وضعناه"( ).
ولا ندري لِمَ صدّر كتابه بلفظة البستان، ولعله أخذه من البستان الذي هو عبارة عن مجموعة من الأشجار والأنوار والأزهار والورود، فتيمُّنا بذلك ألّفه؛ لكثرة هؤلاء العلماء. كما أني طالعتُ كتابا سار فيه ابن مريم عن منهجه في الترجمة للعلماء، وهو كتاب " البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان" لعماد الدين الأصفهاني، ذكر فيه صاحبه تواريخ المشهورين بدءا بالأنبياء وفي مقدمتهم سيدنا آدم عليه السلام، إلى العصر الذي عاشه الكاتب( ).
ولا أستطيع الجزم أن المديوني وصلت إليه نسخة من هذا الكتاب، أو أنها نوع من المصادفة كما قلت سابقا.
وقد ألّف ابن مريم كتابه البستان نزولا عند رغبة صديق من أصدقائه، يقول في المقدمة:" أما بعد فالسّلام عليكم أيه الأخ الأحبّ في ذات الله تعالى ورحمة الله تعالى وبركاته، فقد طالعتُ ما أشرتم به عليّ من ذلك التأليف الأبرك المتضمّن جمع أولياء تلمسان وفقهائها الأحياء منهم والأموات..." ( ).
كما أنه يعتقد أن نشر أحوال الصالحين قربة يتقرب به إلى الله، وفي ذلك يقول:"أنه إذا كان مجرّد حبّ الأولياء ولاية، وثبت أن المرء مع من أحبَّ، فكيف بمن زاد على مجرد المحبة بموالاة أولياء الله تعالى وعلمائه. وخدمتهم ظاهراً وباطناً بتسطير أحوالهم، ونشر محاسنهم، في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. نشراً يبقى على مرّ الزمان ويزرع المودة لهم، والحبّ في صدور المؤمنين للاقتداء بهم بحسب الإمكان"( ).
المنهج الذي سار عليه المديوني في التّرجمة للعلماء والصالحين:
في البداية أشير إلى أن هذا المنهج الذي سطّرتُه في هذه الورقات منهجٌ عام في كلّ الكتاب، وقد سار عليه ابن مريم الشّريف في كلّ ما قدّمه عن هؤلاء الشّيوخ والفقهاء والعلماء، كما أن هذا المنهج الذي قمتُ به لم يكن مرتّبا على حسب طريقة معينة، ولا منهجا محدّدا، وإنما ذكرتُ ذلك على شكل نقاط ورؤوس أقلام، إذا اجتمعت بيّنتْ لنا بجلاء ووضوح طريقة الشّيخ في التّعريف والتّرجمة، وقد استنتجتُ هذا المنهج من استقرائي للكتاب وتصفّح ورقاته، وقد كنت في بعض الأحيان أقدّم بعض الآراء النقدية التي تعلّل ما ذهب إليه من آراء حول العلماء وتفسِّرُها.
ويتمثل منهجه في ما يلي:
1. رتّب الإمام أسماء المترجَم لهم ترتيبا ألفبائيا:
لقد اتّبع الشّيخ منهج الترتيب الألفبائي على حسب اسم المترجَم له، بخلاف غيره الذين كانوا يعتمدون التتابع الزمني الأفقي، فيذكرون مثلا السنة ثم يعقبون ذلك بالحوادث التي جرت في تلك السنة، مع الإشارة إلى ما حدث في الأقطار والأمصار والأماكن والمدن...( ).
أما مؤلّفنا فكان يصدّر ذلك بقوله (حرف الألف) أو (حرف الباء) وهكذا، إلاّ أن بعض الحروف لم يذكرها، وذلك لعدم ورود أسمائهم بها؛ مثل:حرف التاء والثاء والذال والضاد والغين والفاء واللام والواو. ومعلوم أن الأسماء الأكثر ورودا هي: "محمد" التي أثبت فيها تسعة وسبعين (79) اسما؛ فنجد مثلا: محمد بن أحمد بن مرزوق الخطيب( ). ومحمد بن محمد بن عرفة الورغمي( ). واسم "أحمد" الذي أحصى فيه ستة وعشرين (26) اسما منهم: أحمد بن محمد بن عثمان بن عبد الله المناولي( ). وأحمد بن عيسى الورنيدي( ).
2. تصديره لهم بقوله (سيدي):
كثير ممن ترجم لهم الإمام صدر ذلك بقوله (سيدي) وهذا من الأدب مع العلماء الذي نفتقده اليوم، وهذا يدل على ما اتصف يه الإمام من الأدب الرفيع والخلق الحسن مع شيوخه وعلماء عصره أو الذين سبقوه. ومن ذلك قوله: "سيدي أحمد بن محمد بن زكري"( ). وقوله "سيدي أحمد أبو العباس حفيد الشيخ سيدي محمد بن مرزوق"( ).
فهو لم يكتف بذكر العالم الذي ترجمه بلقب السيادة، وإنما تعدّى ذلك إلى جدّه.
ونلمس هذا الأدب عند الصوفيّة في تعامل المريد مع شيخه، وتعامل المريدين بعضهم مع بعض؛ كالتّآزر والتّعاون والتّضامن والأدب وغيرها من الصفات الحميدة.
3. عدم إتّباع طريقة واحدة في التعريف بالعلماء من حيث الطول القصر:
كان الإمام يطيل أحيانا في التّرجمة، حتى يصل إلى عشرين(20) صفحة، ويوجز أخرى حتى ليترجم للشيخ بنصف سطر أو أقل من ذلك، وهذا يرجع ربّما إلى ما توصّل إليه من معلومات؛ وما وصل إليه من أخبار عن المُترجم له.
فنجد مثلا ترجمة محمد بن يوسف السنوسي صاحب المؤلفات الشهيرة في علم الكلام التي بلغت إحدى عشرة (11) صفحة( )، وترجمة ابن مرزوق الحفيد وقد خصص لها ثلاث عشرة صفحة (12) ( ). وبلغت ترجمة سيدي محمد الهواري تسع (9) صفحات( ). وبلغت إحدى التراجم عشرين صفحة وهي ترجمة الحسن بن مخلوف الشهير بأبركان( ).
وفي المقابل ترجم لمحمد بن يوسف الزّواوي بقوله:" كان من أكابر الأولياء بتلمسان"( ). وعن محمد بن سليمان النجار قال:" سيدي محمد بن سليمان النجار من مديونة الوليّ الصّالح"( ).
4. المعلومات المقدمة للعالم المترجم له:
ومثلما تفاوتت الترجمة بين الطّول والقصر تفاوتت المعلومات التي كان يقمها الشيخ المديوني، فقد يقدّم هذه المعلومات كلّها، وقد يقتصر على بعضها: على النحو الذي سأبيّن:
*- اسمه ونسبه ولقبه وشهرته.
*-سنة مولده ومكانه.
*-ألقابه العلمية.
*- أخلاقه.
*-كراماته.
*-نشاطاته العلمية أو التعليمة، كالقراءات أو الفقه أو القرآن أو النحو أو الحساب أو الفرائض.
*- علمه وشعره
*- كتبه
*- وفاته ومكانه.
الملاحظ من هذه الطريقة أن المديوني رحمه الله تعالى ألّفه وفق كتب التاريخ لذلك فهو أقرب للتاريخ منه إلى علم الاجتماع، فنجده يذكر تاريخ الميلاد والوفاة لكل من ترجم لهم، إلاّ أن يكون على قيد الحياة، وهو المنهج التي تميزت به كتب التراجم والتاريخ في تلك القرون التي سبقت عصر الكاتب.
5. الأسلوب الذي استعمله المؤلف في الترجمة
ترجمة ابن مريم الشريف لهذه الزمرة من العلماء بأسلوب أدبي رصين، يرقى إلى مصاف الفصيح، إلاّ أنه استعمل بعض العبارات بالعامية أو باللغة العامية، وهذا مما يُعاب عليه.
ومن بين تلك العبارات قوله:" وقالوا هذا الراجل ليس هو ساكن عندنا، هذا هو سارق فعرفوه... ننظر آش يعمل لي، أخذ ضربة برصاصة"( ). وقوله:"... فقلت له: يا والدي يرحم لاَلّة مريم ترضى عنّي، وتحلل لي ما خدمت عليّ وما أقرأتني؛ فنظر إليّ أخي أحمد رحمه الله وقال لي: لاش قلت هذا؟ قلت لأخي: واش على هذا ما يضرش"( ).
6. ذكره كرامات المترجم لهم:
كان صاحب الكتاب رحمه الله حريصا على ذكر كرمات العلماء وما امتازوا به من صلاح وعبادة وزهد وقيام ليل، ولعلّ هذا من أغراضه الأساسية في تأليف هذا الكتاب، حيث يقول في المقدمة:" فكيف بمن زاد على مجرد المحبة بموالاة أولياء الله تعالى وعلمائه. وخدمتهم ظاهراً وباطناً بتسطير أحوالهم، ونشر محاسنهم، في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. نشراً يبقى على مرّ الزمان. ويزرع المودة لهم، والحب في صدور المؤمنين للاقتداء بهم بحسب الإمكان"( ).
ومن الأمثلة على ذلك يقول في الشيخ سعيد البجائي:" من أكابر الأولياء لهم مكاشفات خرج إلينا بيبدر( ) حين أخذت النّصارى تلمسان، دمّرهم الله، فذهب إليه مع أبي وأخذنا منه الدعاء، وقال لوالدي أهل تلمسان كلّهم يرجعون لبلدتهم حتى محمد يرجع إلا سعيدا، يعني بمحمد السلطان"( ).
ومن ذلك أيضا عندما ترجمة للشيخ إبراهيم بن محمد المصمودي التلمساني؛ حيث ذكر عن نفسه أنه خالف المشهور في مسألة من المسائل، وقلّد عالِمين اسمهما "ابن حبيب" و"أصبع"، فسقط عليه حجر في طريقه لزيارة أمّه وآلمه كثيرا، وذهب إلى شيخ من شيوخه- ولا زالت الآلام تلمّ به- معتذرا، ولما وصل إليه بادره هذا الشيخ بقوله قبل إخباره: من قلّد "ابن حبيب" و"أصبغ" فلا ذنوب عليه( ).
وكذلك قوله عن الشيخ الحسن بن مخلوف المشهور بأبركان أنه كان يتوضأ يوما في صحراء، وإذا بأسد يقبل إليه ويبرك على سبّاطه( ). فلما فرغ من وضوئه التفت إلى الأسد وقال له:(تبارك الله أحسن الخالقين) ( )، ثلاثا، فأطرق الأسد برأسه إلى الأرض كالمستحيي ثم قام ومضى( ).
7. الترجمة للعلماء البارزين والمشهورين:
ترجم ابن مريم الشريف المديوني لكثير من العلماء البارزين الذين لهم مكانة علمية في تلمسان وفي المغرب وحتى في المشرق. مثل:محمد بن يوسف السنوسي صاحب المؤلفات الشهيرة في علم الكلام( )، والشيخ ابن مرزوق الخطيب( )، وابن مرزوق الحفيد( ). والشيخ يوسف أبو الفضل المعروف بابن النحوي( ). والشيخ شعيب بن الحسن أبو مدين شعيب الغوث( )وشعيب بن الحسن الأندلسي( )...
8. ذكره الألقاب العلمية والدراجات المشهورة والأوصاف:
لقّب صاحب الكتاب هؤلاء العلماء بألقاب عديدة تصل في بعض الأحيان إلى أكثر من ثلاثة عشر صفة، فمنها مثلا: (العالم العلامة) أو (شيخ زمانه) أو( العارف بالله) أو (القطب) أو (الغوث)" أو (شيخ الإسلام)...
فقد صدّر ترجمته لمحمد بن العباس بن محمد العبادي التلمساني بقوله:"الإمام العالم العلاّمة المحقّق المتفنّن المحصّل القدوة الحجّة المفتي الصّالح الحافظ المتقن البَرَكة"( ).
وقد يقتصر على أقلّ من ذلك، مثلما فعل مع الشّيخ محمد بن أحمد العقباني التّلمساني الذي قال عنه: الفقيه العالم العلاّمة الرحّالة المتقن البارع"( ).
ولعلّه تأثر بمن قبله من العلماء في تكثيرهم هذه الألقاب للعلماء، وهي طريقة في رفع شأن من يجلّونهم ويوقّرونهم.
9. ضبطه أسماء المترجم لهم:
كان المديوني رحمه الله تعالى في بعض الأحيان يَضبط أسماء بعض العلماء والفقهاء بالشكل، وذلك خوفا من اللبس أو لتشابه تلك الأسماء مع غيرها، فنجده عند ترجمته للشيخ زيان بن أحمد بن يونس الجِيزِيّ، يضبط لقبه بقوله:" بجيم مكسورة ثم تحتية، ثم زاي مكسورة، ثم تحتية، نسبة لبلدة بمصر"( ).
وقال عن محمد بن محمد المَقّرِيّ: "يفتح الميم وتشديد القاف مفتوحة... وضبطه غيره بفتح الميم وسكون القاف"( ).
10. ذكره أقوال بعض من ترجم لهم أو أشعارهم أو ما قيل فيهم:
كان الإمام المديوني رحمه الله تعالى حريصا على نقل آثار العلماء والأولياء في ذلك، وهذا ما يزيد معرفةً بالرجل وما له صلة بغيره من العلماء خاصة في الأقوال التي وردت في حقّه.
ومن ذلك ما نقله عن ابن مرزوق الحفيد:" فلو رآه الإمام مالك لقال له: تقدّم، فلك العهد والولاية، وتكلم فمنك يُسمع فقهي بلا محالة، أو رآه ابن القاسم لقرّبه علينا، وقال له: طالما دفعتَ عن المذهب عيبا وشيئا"( ).
ونقل عن الشيخ أبي محمد التلمساني في حقّ الشيخ إبراهيم التازي قوله:" كان سيدي إبراهيم من الأولياء الزّاهدين، وعباد الله الصّالحين النّاصحين، إمام في علوم القرآن، مقدّما في علم اللسان، حافظا للحديث، بصيرا بالفقه وأصوله، من أهل المعرفة التّامة بأصول الدين، إماما من أئمة المسلمين( ).
ومن الأشعار التي كان يرويها عن من ترجم لهم نجده يذكر شعر الشيخ أبي عبد للشيخ الشّوذي الإشبيلي( ):
إِذَا نَطَـقَ الوُجُودُ أَصَاخَ قَوْمٌ***بِآذَانٍ إِلَى نُطْقِ الوُجُودِ
وذَاكَ النُّطْقُ لَيْسَ بِـهِ انْعِجَامُ***ولَكِنَّ جَلّ عْنْ فَهْمِ البِلِيدِ
فَكُنْ فَطِنًا تُنَادَى مِنْ قَرِيبٍ***ولا تُكُ مِمَنْ يُنَادَى مِنْ بَعِيدِ
ونقل لنا كذلك من أشعار الشيخ التي نظَمها عند هدم باشا الجزائر حسن حِصْنَ المرسى الأعلى وهروب النصارى( ):
هَنِيئًا لَكَ بَاشَا الْجَزَائِرِ وَالْغَرْبِ***بِفَتْحِ أَسَاسِ الْكُفْرِ مَرْسَى قِرَى الْكَلْبِ
سَتَفْتَحُ وَهْرَانَ وَمرْسَاتِهَا الَّتِي ***أَضَرَّتْ بـِذَا الإقْلِيمِ طُرًّا بَـلاَ رَيْبِ
فَثِقْ بِالإلَهِ وَاسْتَعِنْ بِهِ وَاصْبِرَنْ*** يُنِلْكَ الْمـُرَادَ يَـا أَمِيرِي وَمَطْلَبِي
وَقَدْ وَعَدَ الرَّحْمَنُ جَلَّ جَـلاَلُهُ***مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا قَدْ أَتَى ذَاكَ فِي الْكُتْبِ
خاتمة:
بعد إنهاء هذه الوريقات البحثية، ووقوفي بين جنبات هذا البحث توصلتُ إلى بعض النتائج أهما:
- ليس كلّ العلماء الذين ذكرهم المديوني أصلهم من تلمسان، وإنّما كانت لهم فيها بصمة فقط؛ كمن درّس فها، أو مرّ منها، أو توفي فيها، أو أخذ العلم على يد علمائها...
- كان حريصا رحمه الله على إظهار كرامات الأولياء قدر المستطاع.
- أثبت البحث قوّة الحافظة التي تمتّع بها الشيخ المديوني في نقله أخبار من ترجم لهم.
هذه جملت ما توصلت إليه من منهج الشيخ المديوني رحمه الله تعلى رحمة واسعة، وقد اقتصرتُ على ما ذكرتُ، طلبا للاختصار، والله ولي التوفيق، والحمد لله رب العالمين.


Lien :
https://www.asjp.cerist.dz/en/downArticle/552/9/2/73796

Ajouté le: 25-02-19

National publication

وجوه تأثير القرآن الكريم على علوم اللغة العربية وآدابها
- دراسة استقصائية-
بقلم
واسيني بن عبد الله*



ملخص
يمثل البحث دراسة استقصائية لوجوه آثار القرآن الكريم- بصفته أحد مصادر التراث العربي والإسلامي- في علوم اللغة العربية وآدابها المختلفة، وقد كان له ذلك الدور البارز في نشوء العلوم الدينية واللغوية على حد سواء، وهو العامل الرئيس في توحيد لهجات العرب على لهجة قريش، وعمل كذلك على تقويتها، وعالميتها، وتعليميتها، وتهذيب ألفاظها وتراكيبها، إلى غير ذلك من الوجوه التأثيرية. وهذا ما سنراه في هذا المقال.
حاولت في هذا المقال أن أعرف القرآن الكريم في اللغة والاصطلاح، وأبين أهمية اللغة العربية بعلومها المختلفة، لأقوم في الأخير بسرد تلك الوجوه التي أثّر بها القرآن الكريم على اللغة العربية.
الكلمات المفتاحية: القرآن الكريم، اللغة العربية، الأدب، التأثير.

مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.
أما بعد،
فالقرآن الكريم كلام الله تعالى المنزّل على رسوله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويمتاز القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية بأنه محفوظ من التحريف، ومختوم به تلك الكتب، ومحفوظ من الله  في الصدور والسطور، ويعد أكثر الكتب رقيّاً من حيث القيمة اللغوية والدينية، ويجمع القرآن الكريم بين سطوره آيات تمتاز الفصاحة والبلاغة والإيجاز والإعجاز.
وللقرآن الكريم أثر عظيم في اللغة العربية، وإليه ترجع نشأة معظم علوم اللغة العربية؛ من نحو، وصرف، ولغة، ومعجم، وبلاغة، وأدب، وغيرها. وكان دافعا لأهل الإسلام من عرب وغيرهم من العجم ليتسابقوا في تعلّم العربية، وتعليمها، وإجادتها، وإتقانها، والتسامي إلى لغة القرآن، ومحاكاة بيانه، والعناية بها وخدمتها في شتى المجالات، بل شارك علماء العربية في علوم القرآن المختلفة وعلوم الشريعة؛ من فقه وأصوله وحديث وشرحه، وتفسير وعلم القراءات والاحتجاج لها والناسخ والمنسوخ والرسم القرآني وأسباب النزول...
كما أنه نشأت دراسة اللغة العربية الفصحى علاجا لظاهرة كان يخشى منها على اللغة وعلى القرآن وهي التي سموها ذيوع اللحن . بل إن الحديث عن القرآن الكريم وأثـره في اللغة العربية، حديث الشيء عـن ذاته، فالقرآن الكريم عربي المبنى فصيح المعنى، وقد اختار الله تعالى لكتابه أفصح اللغات، فقال تعالى:﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
وتكمن إشكالية هذا البحث في أنه يحاول ألإجابة عن بعض الأسئلة حول أثره في علوم اللغة وآدابها، وتتمثل فيم يلي:
 ما هي أهمية القرآن الكريم ومنزلته ومزاياه التي اختص به عن غيره من الكتب السماوية؟
 كيف أثر القرآن الكريم على اللغة العربية بعلومها وأساليبها؟
 ما هي تلك المجلات التي جعلت اللغة العربية ترتبط بالقرآن الكريم؟
ولعل أهم أهداف هذا البحث هو محاولة الوقوف على وجوه تأثير القرآن الكريم في علوم اللغة العربية وآدابها المختلفة.
وقد اتبعت في هذه الدراسة المنهج الوصفي المناسب للموضوع، لأني سأحاول بسط المسألة في وجوه تأثير القرآن الكريم، وسأقوم باستقصاء كل تلك الوجوه، مدللا عليه بأقوال الباحثين والعلماء .
أما عن الدراسات السابقة، فلقد نالت قضية القرآن الكريم واللّغة حظّا واسعا من التّأليف، إلّا أنّي لم أجد من أفرد تلك الوجوه في بحث مستقل فيما اطّلعت عليه من بحوث، وجاءت هذه الدّراسة لتكمل بعض النّقص في ذلك، ومن الكتابات التي جاءت بين يديّ في ما يخصّ القرآن واللغة العربية:
 أثر اللغة العربية في تذوق معاني القرآن وفهمه، فضل حسن عباس، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، العدد:1، 2006م.
 الكلمة القرآنية وأثرها في الدراسات اللغوية، فضل حسن عباس، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، جامعة قطر، 1989م.
 أثر القرآن الكريم في الأدب التركي" الاقتباس من القرآن الكريم في الأدب التركي" التواصلية، بولوط علي، مجلة التواصلية، المجلد:1، العدد:1.
خطة البحث:
تمهيد:
المبحث الأول. القرآن الكريم واللغة العربية، قضية مقدسة وعلاقة تفاعل:
المبحث الثاني:آثار القرآن الكريم في علوم اللغة العربية وآدابها.
 القرآن الكريم وتوحيد لهجات العرب على لغة قريش.
 القرآن الكريم والمحافظة على اللغة العربية.‏
 القرآن الكريم وتقوية اللغة العربية.
 القرآن الكريم وعالمية اللغة العربية.
 القرآن الكريم وتعليمية اللغة العربية.
 القرآن الكريم وتهذيب ألفاظ اللغة العربية.‏

تمهيد:
لقد سجّل لنا القرآن الكريم في آياته أنه نزل باللغة العربية في إحدى عشر سورة من سوره الكريمة . وهذه الآيات مبثوثة في فصول هذه البحث ذُكرَت بعضُها مِن قبلُ، وستُذكر مِن بعدُ، لا داعي لذكرها الآن، ولذلك:" فإنه لا يمكن العدول عن هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم إلى غيرها إذا أريد تفسيرُ كناب الله الذي نزل؛ لأن معرفة معاني ألفاظه لا تُؤخذُ إلاّ منها" .
فلا يمكننا دراسة الأدب وعلومه ولغته بعيدا عن ينبوع هذا الأدب وأصل هذه اللغة؛ وتاج هذه العلوم والمتمثل في القرآن الكريم، الذي أنزله الله تعالى عربيا على قوم عرب يفهمون ما يقول لهم، فخاطبهم بما يعقلون عنه بلغتهم.
وقد وصفه الرافعي بأنه:" ضمير الحياة العربية، وهو من اللغة كالروح الإلهية التي تستقر في مواهب الإنسان فتضمن لآثاره الخلود، ثم لا يدل عليها حين التعرف إلا بصفات كل نفس لموقع تلك الآثار منها كأن هذه الروح تحاول أن تفصح عن معاني النبوغ الفني آثاره الخالدة فلا تجد أقرب إلى غرضها من تهيج الإحساس بها في كل نفس فيجزى ذلك في البيان عنها لأن الإحساس إنما هو اللغة النفسية الكاملة" .

المبحث الأول: القرآن الكريم واللغة العربية، قضية مقدسة وعلاقة تفاعل:
أولا: تعريف القرآن لغة.
المشهور بين علماء اللغة أن لفظ القرآن في الأصل مصدر مشتق من قرأ، يقال قرأ قراءة وقرآناً ؛ فهو مصدر مرادف للقراءة ويشير إليه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . وقيل إنه مشتق من قرأ بمعنى تلا، وقيل إنه مشتق من قرأ بمعنى جمع ومنه قرى الماء في الحوض إذا جمعه، ثم نقل لفظ القرآن من المصدرية، وجعل علما .
ثانيا: تعريف القرآن اصطلاحا:
للقرآن الكريم تعريفات كثيرة، إلا أن التعريف الجامع والمانع له يكمن في قولهم:" كلام الله تعالى المعجز، المنزل على سيدنا محمد  واسطة جبريل  بلسان عربي مبين، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته" . وبعضهم يزيد عليه قيوداً أخرى مثل: المتحدى بأقصر سورة منه، أو المكتوب بين دفتي المصحف، أو المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس .
والواقع أن التعريف الذي ذكرناه لا يحتاج إلى زيادة قيد آخـر، ومن زاد عليه قيدا، فإنما لزيادة الإيضاح بذكر بعض خصائصه التي يتميز بها عما سواه .
ثالثا: أهمية اللغة العربية وعلومها:
لقد صار في اعتقاد كل مسلم أن العربية أفضل لغة، لأنها حملت كتاب الله عزّ ، كما صارت الرغبة في فهم القرآن دافعا لحفظها، وإتقان علومها. قال الشاطبي:" وكان المنزل عليه القرآن عربيا أفصح من نطق بالضاد؛ وهو محمد بن عبد الله  وكان الذين بُعث فيهم عربا أيضا...بل نفى عنه أن يكون فيه شيء أعجمي، فقال تعالى:﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ . وقال تعالى في موضع آخر:﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ . هذا، وإن كان بعث للناس كافة فإن الله جعل جميع الأمم وعامة الألسنة في هذا الأمر تبعا للسان العرب" .
وقد رغّب في حبها رسولُ الله  وذلك لمكانتها فقال :«أحِبُّوا العَرَبَ لِثَلاثٍ لأَنّي عَرَبيٌّ، والقُرآنُ عَرَبيٌّ، وكَلامُ أَهْلِ الجنَّة عَرَبيٌّ» .
من هذا الحديث الذي يبرز أهمية اللغة العربية في قلوب المسلمين، بل في قلب رسول الله  نجد أنها تجاوزت أهميتها حتى وصلت إلى من نطق بها.
ونجد الثعالبي يعبّر عنها بأبلغ تعبير؛ بقوله:"من أحب الله تعالى، أحب رسوله  محمداً، ومن أحب الرسول  العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية، ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها وصرف همته إليها" .‏
ويقول الزبيدي في مقدمة معجمه تاج العروس:" فتدبَّرتُ فُنونَ العِلم التي أَنا كائنٌ بصَدَدِ تكمِيلِها، وقائمٌ بإِزاء خِدْمَتِها، وتَحصيلها، فصادفتُ أَصْلَها تاج الأَعظم، الذي هو اللغةُ العربيَّة، خليقة ًبالمَيْلِ في صَغْو الاعتناءِ بها..." .
ومعلوم أن رسول الله  موضع البلاغ من وحيه، اختار له من اللغات أعربها ومن الألسن أفصحها وأبينها، ثم أمده بجوامع الكلم .
وقال أحمد شوقي واصفا فصاحة رسول الله  :
يا أَفصَحَ الناطِقينَ الضادَ قاطِبَةً***حَديثُكَ الشَهدُ عِندَ الذائِقِ الفَهِمِ
حَلَّيتَ مِن عَــطَلٍ جيدَ البَيانِ بـهِ ***في كُــلِّ مُنتَثِرٍ في حُــــــــسنِ مُنتَظِمِ
بِكُلِّ قَـــــــــولٍ كَريمٍ أَنتَ قــــــــــــــــائِلُهُ *** تُحيِ القُلــوبَ وَتُحيِ مَيِّتَ الهِـــــــمَمِ


المبحث الثالث: آثار القرآن الكريم في علوم اللغة العربية وآدابها
لا تزال اللغة العربية حية حتى الآن لسببين؛ هما القرآن الكريم وتأدية الصلاة اليومية. وأدى الاتصال العالمي والتفاعل الحضاري بالآخرين بعدما انتشر الإسلام وتطورت أساليب الاتصال، وتكوين الفرق والطوائف الدينية والمذهبية إلى توليد الكثير من المصطلحات وتغيير معاني كثير من الألفاظ وموت مئات الكلمات ليحل محلها آلاف الكلمات والتعبيرات الأخرى .
وهذا التغير الكمي والكيفي يحدث لهذه اللغة وغيرها من اللغات. بينما يظل القرآن محتفظا بلغته ومفرداته التي لا يمكن فهمها إلّا منه ، ولولاه لاندثرت كما اندثرت لغـات قبلها وبعدها؛ كاللغة الآرامية والسريانية واللاتينية وغيرها؛ فبقاء اللغة العربية أساسه حفظ الله  الذي تكفّل سبحانه وتعالى بحفظ كتابه الكريم، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
فحِفْظُ الله للقرآن الكريم أدى إلى حفظ اللغة التي أنزل بها؛ فقد سخر الله  لهذه اللغة من أهل العلم مَنْ تفانوا في حفظها والمحافظة عليها؛ وذلك حفاظا على كتابه الكريم، بل ونظروا إلى علومها على أنها نوع من العبادة، مما ميّز تراثنا الثقافي واللغوي بغزارة التأليف اللغوي المعجمي والبلاغي...
والقرآن هو الذي أخرج فصحاء الأدب العربي وبلغاءه وأصحاب المقامات والرسائل وغيرها؛ أمثال ابن المقفع وعبد الحميد الكاتب والحريري.
بل إن ابن الأثير يجعل تعلَّم القرآن الكريم سبيلا وآلة من آلات علم البيان وعلومه، ونوعا من أنواع صناعة تأليف الكلام، يقول مبرزا بعض أهميته"... منها أنه يضمن كلامه بالآيات في أماكنها اللائقة بها، ومواضعها المناسبة لها، ولا شبهة فيما يصير للكلام بذلك من الفخامة والجزالة والرونق، ومنها أنه إذا عرف مواقع البلاغة وأسرار الفصاحة المودعة في تأليف القرآن اتخذه بحراً يستخرج منه الدرر والجواهر، ويودعها مطاوي كلامه..." .
فالقرآن الكريم سبيل قويم لمن أراد اكتساب الكتابة والفصاحة، بل إننا نجد أكثر الناس تعبيرا عن المعاني بأفصح ألفاظ من امتلك نصيبا وافرا من حفظ القرآن، وهذا ما نجده عند الدعاة والخطباء.
ويمكن أن نستنتج أهم وجوه تأثير القرآن الكريم في علوم اللغة العربية :
1. القرآن الكريم والتقعيد اللغوي:
يعد القرآن الكريم منارة تتلألأ يهتدي بها العلماء لإرساء القواعد اللغوية والبلاغية، وإبقائها في سلامة وصحة، وهو مصدر من مصادر التقعيد، وكان سببا في اجتهاد العلماء وتوافرهم على وضع علوم النحو والصرف وعلوم البلاغة وغيرها، واستقصاء المفردات وتحرِّي مصادر الفصيح والدخيل .
وإذا قارنا بين الاحتجاج بالقرآن الكريم وبين مصادر الاحتجاج الأخرى من شعرٍ وحديث وغيرهما فإننا نجد أنه الأصل الأول لهذه المصادر، وهو الدعامة التي ترتكز عليها.
ولماّ اتّسعت الفتوح، وانتشر الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، احتك العجم بالعرب فأفسدوا عليهم لغتهم، مما اضطر حذيفة بـن اليمان الذي كان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، أن يرجع إلى المدينة المنورة ويقول لعثمان :"يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف" .
وأمْرُ عثمان بن عفان بجمع القرآن كان قصده أن يجمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي  وأن يلغي ما ليس بقرآن خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد . وهذا ما حصل، فقد ضعفت اللغة بمرور الأيام، وفشا اللحن في قراءة القرآن، مما جعل الأسود الدؤلي يستجيب‏ لوضع قواعد النحو ، التي هي أساس ضبط حركات الحروف والكلمات، ومن ثم العمل على ضبط المصاحف بالشكل.
وليس هذا فحسب، بل يرجع الفضل للقرآن الكريم في أنه حفظ للعرب رسم كلماتهم، وكيفية إملائهم، على حين أن اللغات الأخرى قد اختلف إملاء كلامها، وعدد حروفها.‏ يقول نور الدين العتر:"والسّرّ في ذلك أن رسم القرآن جعل أصلاً للكتابة العربية، ثم تطورت قواعد إملاء العربية بما يتناسب مع مزيد الضبط وتقريب رسم الكلمة من نطقها، فكان للقرآن الكريم الفضل في حفظ رسم الكلمة عن الانفصام عن رسم القدماء" .
2. القرآن الكريم والاستشهاد الأدبي:
يكون الاستشهاد الأدبي أو الاستشهاد في الأدب بسوق دليل قرآني أو نثري أو شعري لإقامة الدليل على قضية أدبية تعالجها، ولا يشترطون بها زمـانا ولا مكانا، يقول أبو هلال العسكري عن الاستشهاد:" وهذا الجنس كثير في كلام القدماء والمحدثين، وهو أحسن ما يتعاطى من أجناس صنعة الشعر، ومجراه مجرى التذييل لتوليد المعنى وهو أن تأتي بمعنى ثم تؤكده بمعنى آخر يجري مجرى الاستشهاد على الأول والحجة على صحته" .
إلا أنّ الاستشهاد أوسع من ذلك، فيمكن أن يوظّف للاحتجاج لقضية فكرية، أو دينية، أو سياسية، أو تاريخية، وغير ذلك من الأفكار والمعاني .
ولقد كان للعرب حفاوة بالغة بفن القول وطرق التعبير وأدائه، حتى يصل إلى قلب السامع أو القارئ ويؤثر فيه، ومن تلك الطرق استشهادهم على صحة كلامهم وحديثهم بجملة من الشواهد والأمثلة، والتي من ضمنها القرآن الكريم الذي يقوي الحجة، ويزيد على الشواهد الأخرى قوة الإيحاء والتأثير، لما له من مكانة إيمانية، ولأنه منزل من الله .
ومن مظاهر الاستشهاد به استعمال بعض آياته كأمثال وحكم بتداولها الناس فيما بينهم ويدللون بها عن بعض الوقائع المستحدثة في زمانهم. وقد أورد السيوطي في كتابه الإتقان باباً في ألفاظ من القرآن جارية مجرى المثل، وأورد من ذلك قوله تعالى:لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ .ولَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ .ولِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ .وظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ .
ومن مظاهر الاستشهاد به كذلك إقامة الدليل به على المخالفين أو المعاندين، وأما الاستشهاد بآية من الآيات على واقعة جرت وحدثت، فهذا لا بأس به، فإن رسول الله استشهد بالآيات على الوقائع؛ من ذلك استشهاده  حينما جاء الحسن والحسين يتعثران في قميصين أحمرين وهو يخطب في الناس فقطع كلامه ونزل فحملهما ثم عاد إلى منبره وقال  الآية:إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ .
3. القرآن الكريم والفنون الأدبية:
لا شك أن الشعراء والخطباء والكتّاب تأثروا بأساليب القرآن وبلاغته وطرائقه في التعبير ومناهجه في سوق الآراء وصياغة الحجج وعرض القصص والوصف والجدل والموعظة الحسنة، فصاغوا آثارهم الأدبية على نهجه . فقد قام بتنمية الملكة اللغوية والنقد الأدبي لدى العرب، وذلك أن العرب كانت لهم أسواقهم المشهورة ومعلقاتهم المنظومة، ومبارياتهم المعروفة فلما نزل القرآن الكريم، ولامس شغاف قلوبهم ورقت له أحاسيسهم ومشاعرهم، فتغيرت أحكامهم وقوانينهم، فنقلهم من الفصيح إلى الأفصح، ومن الجيد إلى الأجود.
ولقد طالعنا التاريخ بجملة من الأدباء الذين اتسمت أساليبهم بالعذوبة والسلاسة والجمال، وتجملت أفكارهم بالقوة والوضوح والبيان، وتزينت حججهم بالقوة والتأثير، بالقرآن الكريم؛ فنجد الرافعي مثلا الذي يعد من أرباب الفصاحة القرآنية في العصر الحديث، ونجد سيد قطب الذي أتحف المكتبة الإسلامية والعربية بكتابه في ظلال القرآن، والتصوير الفني في القرآن، ومشاهد القيامة في القرآن، ومحمد سيد الطنطاوي...إلخ.
ومما يظهر هذا الأثر جليا بعض البحوث التي ركزت على القرآن والفنون الأدبية؛ مثل" التّناص القرآني في رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ" لنعيم عموري، وخليل يرويني، وقد أظهر البحث أثر القرآن الكريم في هذه الرواية عبر التّناص الخارجي والداخلي، وحاول کشف ما وراء هذا التّناص من تلميحات وإشارات .
وهناك بحث في هذا المجال هو:"الرافد القرآني في القصة العربية المعاصرة" للدكتورة نعمة الشعراني، والتي وضعت بعض الأدباء في مقارنات تؤدي إلى إثارة تأملات فكرية تعيدنا إلى القصص القرآني وجمالية الرؤى النظرية التي قدمتها من خلال أسلوبها المتصل بالتصوير والواقعية والرمزية في القرآن الكريم .
4. القرآن الكريم وتعليمية اللغة العربية:‏
إن تعليمية اللغة عملية تنطلق من منطلق محدد وتسير على طريق واضح، مما يعني أنها تتعلق بعوامل معينة وتتوقف عليها. وهناك عوامل رئيسة يتوقف عليها نجاح تعليم اللغة، منها الخلفية الثقافية والدينية، والدافعية لتعلمها أما الخلفية الثقافية الدينية للغة العربية، فتتمثل في الموروث التي تميزت به الأمة الإسلامية وهو القرآن الكريم والسنة النبوية، أما الدافعية فهي ما يحرك فينا حبّ هذه اللغة التي نزل بها القرآن؛ فالعوامل التي تدعو إلى تعلم اللغة العربية تختلف عن الدوافع في تعلم لغة أخرى غيرها، وذلك يرجع في المقام الأول إلى كون العربية لغة القرآن والدين الإسلامي . فكونها لغة القرآن ولغة العبادات قد تؤثر إلى حد كبير على نظرة المتعلم، ويمكن القول أن العامل الرئيس في تعلمها هو العامل الديني الذي يترأسه القرآن الكريم، وقد وضع الرسول  حجر الأساس لهذه الدافعية بقوله :«أحِبُّوا العَرَبَ لِثَلاثٍ: لأَنّي عَرَبيٌّ والقُرآنُ عَرَبيٌّ، وكَلامُ أَهْلِ الجنَّة عَرَبيٌّ» .
هذا التشجيع النبوي يبعث رسالة إلينا لتعلّم العربية وتعليمها. وقد ظهرت الدراسات اللسانية الحديثة والمناهج الجديدة التي تبرز أهمية تعليمية اللغة.
ومن بين الأهداف في تعلّم العربية وتعليمها هو فهم القرآن، انطلاقا من كلام العرب، يقول محمد عثمان علي إن:"دراسة الشعر قد قامت في البداية لخدمة القرآن الكريم والحديث الشريف..." .
فعلينا أن نوجّه العناية إلى الاهتمام بالقرآن الكريم ومناهجه في التربية انطلاقا من قصص الأنبياء وسيرة المصطفى في التربية والتعليم.
ومن الثابت المعروف أن العرب قبل نزول القرآن كانوا يجْرون في كلامهم وأشعارهم وخطبهم على السليقة؛ فليس للغتهم تلك القواعد المعروفة الآن وذلك لعدم الحاجة إليها، ولا أدلّ على ذلك من أن التاريخ يحدثنا عن كثير من العلماء صرّحوا أن لغتهم استقامت لمــــّا ذُهب بهم إلى الصحراء وإلى البادية لتعلم العربية النقية التي لم تشبها شائبة، ومن هؤلاء الإمام الشافعي، وأن الوليد بن عبد الملك كان كثير اللحن، لأنه لم يغترف من الينبوع الصحراوي الصافي .
وهو الذي جعل من بعض العجم معلمين وأساتذة يقتدى بهم ويؤخذ عنهم العلم الديني والدنيوي؛ ففي علم الحديث نجد البخاري، والترمذي، وأبا داود، والنَّسائي، وابن ماجة، وفي التفسير الإمام الطبري، والزمخشري والرازي، والبيضاوي، وفي اللغة العربية إمام النحو سيبويه الذي تفنن في صنف من صنوف علوم اللغة العربية ما لم يبدعه كثير من العرب، فكان المعلّم الأكبر في النحو.
5. القرآن الكريم والبحث العلمي:
تحدث القرآن الكريم عن العلم الديني أو الأخروي، والدنيوي؛ فنجده يشير عن علم الحساب والفلك، ومظاهر الطبيعة من الماء والسماء والثمرات والجبال والناس والدواب والأنعام واختلاف الألوان وفي مجالات التقنية، وقد أشار القرآن إلى صناعات شتي، وصناعة الحديد، والجانب المدني، وعلم الاقتصاد... يقول السيوطي في باب الْعُلُومِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنَ الْقُرْآنِ نقلا عن الْقَاضِي أَبُي بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:"عُلُومُ الْقُرْآنِ خَمْسُونَ عِلْمًا وَأَرْبَعُمِائَةِ عِلْمٍ وَسَبْعَةُ آلَافِ عِلْمٍ وَسَبْعُونَ أَلْفِ عِلْمٍ عَلَى عَدَدِ كَلِمِ الْقُرْآنِ.... وَهَذَا مَا لَا يُحْصَى وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ" . ويقول رشيد رضا:"وَإِنَّمَا أَحْدَثَ الْقُرْآنُ فِي الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ مَا أَحْدَثَ مِنَ الثَّوْرَةِ الدِّينِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالِانْقِلَابِ الْعَالَمِيِّ....وَقَدْ أَطَالَ الْعُلَمَاءُ الْأَخِصَّائِيُّونَ فِيهَا حَتَّى أَفْرَدَهَا بَعْضُهُمْ بِمُصَنَّفَاتٍ خَاصَّةٍ" .
وفي استعمال القرآن لكل مجالات العلم والبحث لدليل على أنه دعوة للبحث العلمي في المجالات كافة، وأنه وضع منهجاً قويماً، وفتح آفاق العلماء والمفكرين للبحث في هذه المجالات التي تطرق لها في معرض دعوته إلى الدين الحق والعقيدة السليمة، قال تعالى:﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ .
أما أثر القرآن في البحث العلمي في مجال الدراسات الأدبية واللغوية فهي ظاهرة للعيان، يكفي أن نتتبع بعضا من البحوث أو المقالات العلمية التي جعلت من القرآن الكريم ومن نصوصه أرضية لموضوعاتها، وأن الكثير من المذكرات الجامعية من ليسانس وماستر ودكتوراه ركّزت على جانب من جوانبه الصوتية أو الصرفية أو النحوية أو الدلالية أو البلاغية، لا يمكن أن نحصرها في مجلد أو أكثر.
ولكن سأشير إلى بعضها على سبيل التمثيل:
*-أصول البحث العلمي في القرآن الكريم، محمد صديق الزين علي، دار الجنان للنشر والتوزيع.
*-أثر المنظومة المعرفية لعلوم القران في تعدّد قراءات النص القرآني، ساجد صباح ميس العسكري.
*-مناهج فهم النص القرآني بين المستشرقين والمسلمين الغيبيات نموذجا، مربوح عبد القادر،
*-دلالة الظّواهر فوق مقطعيّة في توجيه الخطاب القرآنيّ، بودالية رشيدة.
*-السياق الدلالي وأثره في توجيه معاني آيات الإعجاز البياني: دراسة في رحاب التكرار، بومدين هواري.
*- مسائل الترجيح في إعراب القران عند أبي حيان - دراسة وتقويما، أحمد بن يحيى الزهراني.
6. القرآن الكريم وتوحيد لهجات العرب:
من المعلوم أن اللهجات العربية كانت مختلفة، فيها الفصيح والأفصح وغيرهما. وكانت كل قبيلة معتدّة بلهجتها، وقد جاء القرآن الكريم بسبعة أحرف لأجل التيسير. ومما يظهر تفاوتها في الفصاحة، ما ثبت عن عثمان  الذي راعى هذا الجانب في جمعه للقرآن عندما قال:" إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم" .
قال شوقي ضيف:"وأول ما كان من آثار القرآن الكريم أنه جمع العرب على لهجة قريش... فعمل القرآن على تقريب ما بين هذه اللهجات من فروق واستكمال السيادة للهجة القرشية ..." . وما ذلك إلا لأن لغة قريش أسهل اللغات وأعذبها وأوضحها وأبينها وكانت تحتوي على أكثر لغات العرب، ونظراً لكونهم مركز البلاد وإليهم يأوي العباد من أجل الحـج أو التجارة، فقد كانوا على علم بمعظم لغات العرب بسبب الاحتكاك والتعامل مـع الآخرين، ولكن لغتهم أسهل اللغات، كما ذكرتُ آنفا. ونقل السيوطي عن الواسطي قوله: "ليس في القرآن حرف غريب من لغة قريش غير ثلاثة أحرف؛ لأن كلام قريش سهل لين واضح، وكلام العرب وحشي غربي؛ فليس في القرآن إلا ثلاثة أحرف غريبة .
ولذلك حاول العرب الاقتراب منها، وودّوا لو أن ألسنتهم انطبعت عليها حين رأوا هذا القرآن يزيدها حسناً، ويفيض عليها عذوبة، فأقبلوا عليه يستمعون إليه، ويتلونه وكان جامعاً للعرب والمسلمين على لغة قريش وما يقاربها.
7. القرآن الكريم وصناعة المعاجم:‏
تعدّ المعاجم من أعظم ما ابتكره الإنسان لحماية اللغة من اللحن والحفاظ عليها من كل ما يعكر صفوتها؛ تحفظ مفرداتها وعباراتها، وتتكفل بذكر صور استعمالاتها وتمييز الأصيل من الدخيل والحقيقي من الزائف... فكلما وجد الباحث إشكالا لغويا يرجع إليها، ويتعرف على ما صعب عليه فهمه من مدلولات. وكان الهدف العام من تأليف هذه المعاجم خاصة وكتب اللغة عموما هو حماية القرآن الكريم من اللحن في النطق أو الخطأ في الفهم.
إن فترة نزوله يمكن أن تكون الفترة الذهبية لإرساء المعاني الجديدة التي جاء بها الإسلام، ويمكن من خلالها رصد الحياة الفكرية والثقافية لأمة محمد .
والقرآن الكريم بوصفه مصدرا من مصادر الاستشهاد في المعاجم، ومن مواده الرئيسة، وبكونه كذلك وثيقة في رصد ما كان في اللغة العربية من تطور دلالي، يمكن أن يكن من اللبنات الأساسية في إرساء معالم المعجم التاريخي للغة العربية التي تملك ما يؤهلها في ذلك. وما يزال هذا المعجم حلما لكثير من محبي اللغة العربية، ومشروعا لبعض الباحثين في الأقطار العربية.
وقد كانت هناك محاولات في إنشاء معجم تاريخي كباقي اللغات الفرنسية والألمانية والعبرية. ومن تلك المحاولات ما قام به أوجست فيشر في "المعجم اللغوي التاريخي"بمجمع اللغة العربية في الجمهورية العربية المتحدة بالقاهرة .
وهناك مشروع آخر في إنشاء "معجم تاريخي للمصطلحات القرآنية" تعمل عليه مؤسسة البحوث والدراسات العلمية وتُعرف اختصاراً (مبدع) إلى جانب معهد الدراسات المصطلحية، ومقرهما مدينة فاس في المملكة المغربية بإشراف الأستاذ الشيخ الشاهد محمد البوشيخي، المدير السابق لمعهد الدراسات المصطلحية، والأمين العام الحالي لهذه المؤسسة، وهو من المهتمين بعلم المصطلح عموماً، ومصطلح القرآن الكريم على وجه الخصوص .
8. القرآن الكريم وتقوية اللغة العربية:
منح القرآنُ الكريم اللغةَ قوة ورقِيًّا، ولولاه ما كانت لتصل إلى ذلك بما وهبها الله  من المعاني الجليلة، والألفاظ المتطورة والتراكيب الجديدة، والأساليب الرفيعة، يقول الرافعي:"نزل القرآن الكريم بهذه اللغة على نمط يعجز قليله وكثيره معاً، فكان أشبه شيء بالنور في جملة نسقه إذ النور جملة واحدة، وإنما يتجزأ باعتبار لا يخرجه من طبيعته..." .‏
هذا ما عبّر به إمامُ من أئمّة اللغة العربية، وليس هو فحسب، بل اعترف أعداؤها من المستشرقين وغيرهم بقوتها وحيويتها وسرعة انتشارها، فيقول: "أرنست رينان":"من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، وصعب حل سره، انتشار اللغة العربية، فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ بدء فبدأت فجأة في غاية الكمال، سلسة أي سلاسة، غنية أي غنى، كاملة بحيث لم يدخل عليها إلى يومنا هذا أي تعديل مهم... تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم" .‏
ويقول بروكلمان:"بفضل القرآن بلغت العربية من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أيّ لغة أخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعاً مؤمنون بأن اللغة العربية هي وحدها اللسان الذي أحل لهم أن يستعملوه في صلواتهم وبهذا اكتسبت اللغة العربية منذ زمان طويل رفيعة فاقت جميع لغات الدنيا الأخرى التي تنطلق بها شعوب إسلامية" .
لا شك أن اعتراف أمثال هؤلاء، لا يقوي من وضع اللغة العربية أو يأخذ بيدها إلى الرفعة، وإنما ذكرنا أقوالهم لنبيّن أن الفضل ما شهدت به الأعداء.‏
9. القرآن الكريم وتهذيب ألفاظ اللغة العربية :‏
إذا كان للبيئة تأثير على الفطر والطّباع، فلا شك أنّ لها تأثيرا في لغة النّاطقين بها، والعرب أمّة ضارب في الصحراء، فكان في لغتهم الخشن والجاف، والغريب، ولعلّ من يدرس الأدب الجاهلي، يقّر بأثر الحضارة في الألفاظ، فإنه سيرى في أدب أهل الوبر كثيراً من الكلمات الخشنة والمعاني المستقبحة مما ينفر منه الطبع، وينبو عنه السمع .
على حين أنه يكاد لا يصادفه من ذلك شيء في أدب القرشيين، وما قصّة علي بن الجهم مع الخليفة المتوكل إلا دليلا على ما قلناه؛ وذلك أن هذا الشاعر كان بدويا جافيا، قدم على المتوكل أولَّ قِدمة، فأنشده قصيدة يمدحه بها، يقول فيها:
أَنْتَ كَالْــكَلْبِ فِي حِفَاظِكَ لِلوُددِّ***وَكَالتَّيْسِ فِي قِـــرَاعِ الخْطُوبِ
أنْتَ كَالدــــَّلْو لاَ عَـدِمْتُكَ دَلْوًا *** مِن كِبَارِ الدِّلا كَثِير الــذّنُوبِ
فعرف المتوكل رقة قصده وخشونة لفظه، وأنه ما رأى سوى ما شبه لملازمته البادية وعدم مخالطته للناس، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة وفيها بستان يتخلله النسيم والجسر قريب منه، فلطف طبعه عن أول أمره وأنشد الأشعار البليغة الرقيقة بعد ذلك، ومدح المتوكل بقصيدة رائعة، مما جاء فيها:
عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِـسرِ***جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري
أَعَدنَ لِيَ الشَوقَ القَديمَ وَلَم أَكُن *** سَلَوتُ وَلكِن زِدنَ جَمراً عَلى جَمرِ
سَلِمنَ وَأَسلَمنَ القُلوبَ كَـــأَنَّما *** تُـشَكُّ بِأَطــرافِ المُثَقَّفَةِ السُمرِ
وَما كُلُّ مَن قــادَ الجِيادَ يَسوسُها ***وَلا كُلُّ مَن أَجرى يُقالُ لَهُ مُـجري
فطبيعة عيش هذا الشاعر هي التي جعلت منه فظًّا غليظًا في المرحلة الأولى؛ لأنه تكلم بالبيئة التي عاشها، وفي المقابل جعلته رقيق القلب، رِقَّةَ كلمات هذه القصيدة؛ لأنه عاش في المروج اليافعة والبساتين الغناء والجنان الفيحاء.
والقرآن الكريم- فضلاً عن أنه نقل العرب من جفاء البداوة وخشونتها، إلى لين الحضارة ونعومتها- قد تخير لألفاظه أجمل ما تخف به نطقاً في الألسن، وقرعاً للأسماع، حتى كأنها سلاسة الماء، ورِقَّة النسيم، وحلاوة العسل، وهو بعد بالمكان الأسمى الذي أدهشهم وحـير ألبابهم... .
ولا أدلّ على ذلك من المقارنة بين الأدب الجاهلي والإسلامي، لتجد البون شاسعاً، في رقة الكلمات، وتهذيب الألفاظ ورونق الأسلوب، وعمق الدلالة.

الخاتمة:
تلكم إذن، بعضًا مما كان للقرآن الكريم من الأثر في اللغة العربية وعلومها وأساليبها وهيئتها؛ لذلك وجب المحافظة عليها كالمحافظة على القرآن الكريم. وقد خلص هذا البحث إلى بعض الاستنتاجات، أهما:
 القرآن الكريم من العوامل الأساسية في وجود اللغة العربية وبقائها وعالميتها ومصداقية قواعدها.
 نقل القرآن الكريم العرب من البداوة إلى الحضارة، ومن الذل والهوان إلى العزة والسؤدد، ومن التقوقع إلى العالمية والانتشار، ومن الحوشي والغريب إلى السهولة واليسر.
 يعد القرآن الكريم مصدرا من مصادر الاحتجاج عند العرب.
وبعد هذه النتائج التي استخلصناها، أودُّ أن أبرز بعض التوصيات التي من شأنها أن تثري البحث العلمي عامة والدراسات اللغة والأدبية بخاصة:
1- الاهتمام بالدراسات اللغوية والأدبية التي لها علاقة بالقرآن الكريم أو علومه الأخرى كالقراءات القرآنية والتفسير.
2- الاهتمام بالقرآن الكريم وإخراج كنوزه، وخاصة تلك الكنوز التي لها علاقة باللغة العربية بمختلف علومها.
3- دراسة القرآن في كتب اللغة والمعاجم والبلاغة، بأن نجعل هذه الأخير هي المدوَّنة في البحوث الأكاديمية والرسائل الجامعية، فندرسُ مثلا القراءات القرآنية في المعاجم، تفسير القرآن في كتب اللغة القديمة، والقرآن الكريم في كتب البلاغة، وإعراب القرآن الكريم في كتاب الخصائص مثلا...
The Influences of the Holy Quran on the Sciences of Arabic Language and Literature- study tracking-

Ouassini BENABDELLAH*

Abstract
Research study tracking the types of effects of Holy Quran- Who is one of the sources of the Arab and Islamic heritage- in Arabic language and literature, It had a clear role in creating religious sciences, And It is the main factor in the unification of the languages of the Arabs on the language of the « qureish ».
It is to be strong, universality,education, and facilitate her words and Midway
Key words: Holy Quran; Arabic Language; Literature;The Influence.


Lien :
revue-recherches-etudes@univ-eloued.dz

Ajouté le: 25-02-19

National publication

أنماط الصورة الشعرية في الخطاب الشعري الموريتاني- قراءة في كتاب "شعر وشعراء موريتانيا" للكاتب محمد المختار ولد


Lien :
poetique.algerienne@gmail.com

Ajouté le: 25-02-19

National publication

عنوان البحث: آلية تطبيق المنهج التداولي على الرواية التاريخية في الجزائر رواية الأمير لواسيني الأعرج أنموذجا.
بقلم: د/بن عبد الله واسيني أستاذ محاضر.أ
جامعة المسيلة
الملخص:
يمثل البحث مقاربة تداولية للرواية الجزائرية التي جعلت من التاريخ أرضية لها ويجعل رواية الأمير لواسيني الأعرج أنموذجا له؛ حيث سيبحث في الآليات التي يستعملها المنهج التداولي في تحليل النصوص. وسيركز على الفعل الروائي وعلى السياق وغيرهما من الآليات.
الكلمات المفتاحية: التداولية، الرواية التاريخية، واسيني لعرج. الأمير .
خطة البحث:
المقدمة:
المبحث الأول: التعريف بمصطلحات البحث: التداولية، الرواية التاريخية.
المطلب الأول : التداولية
المطلب الثاني: الرواية التاريخية.
المبحث الثاني:آليات تطبيق المنهج التداولي على رواية الأمير
المطلب الأول: السياق
المطلب الثاني:الأفعال الكلامية

المقدمة:
الحمد لله الذي علّم الإنسان ما لم يعلم وجعل الكون كتابا مفتوحا للمتأملين والمتدبرين، ودعا المؤمنين إلى التبصر والتدبر والتفكر في آياته التي لا يحدها حد ولا يحصرها عدد .فهو سبحانه في كل شيء له آية.
والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله مدينة العلم ورسول الهداية وقائد الغر المحجلين وعلى آله وصحبه وسائط المعرفة، وأوعية العلم الذين سمعوا فوعوا ورأوا فوصفوا وسئلوا فأجابوا ولم يكتموا. فرضوان الله عليهم أجمعين .
أما بعد فهذه دراسة لموضوع قديم حديث؛ قديم في تجاربه واحتكاكه بالكون والطبيعة ونظر العلماء في أطرافه الواسعة المتنوعة، ولكنه مستحدث في اصطلاحاته العديدة وتنوع مجالاته واتساع ميادينه إنه حقل علمي واسع متنوع هدفه إدراك العلاقات بملفوظاته وسياقها. ومن أجل ذلك يستند إلى علوم مختلفة ولذا يرى البعض أنه لم يستقر بعد علما خاصا له أدواته المعرفية وأجهزته المميزة
المبحث الأول: التعريف بمصطلحات البحث:
التداولية، الرواية التاريخية
المطلب الأول : التداولية.
إن لفظة (التداولية) من أكثر الألفاظ تداولاً في الدرس العربي المعاصر، بداية أودّ أن أبيّن أنه ترجم مصطلح (Pragmatique) بعدة كلمات باللغة العربية، فهناك: الذرائعية، والتداولية، والبراكماتية، والوظيفية، والاستعمالية، والتخاطبية والنفعية، والتبادلية... لكن أفضل مصطلح، في منظور كثير من الباحثين، هو التداولية؛ لأنه مصطلح شائع بين الدارسين في ميدان اللغة واللسانيات من جهة؛ ولأنه يحيل على التفاعل والحوار والتخاطب والتواصل والتداول بين الأطراف المتلفظة من جهة أخرى .
ويجدر بنا في البداية أن نعرّف التداولية في اللغة والاصطلاح.
أولا. التداولية لغة:
إن أصل التداولية في اللغة يرجع إلى الجذر د ول، ويعني العقبة في المال والحرب، قال ابن منظور في لسان العرب:" الدولة والدولة العقبة في المال والحرب سواء ... والجمع دُول دِول .
وقد جاء في القرآن الكريم: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ . وقال وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ . قال الطبري في تفسيرها:" نجعلها دُوَلا بين الناس مصرَّفة... وذلك أن الله عز وجل أدال المسلمين من المشركين ببدر، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. وأدال المشركين من المسلمين بأحُد، فقتلوا منهم سبعين، سوى من جرحوا منهم. يقال منه: أدال الله فلانًا من فلان، فهو يُديله منه إدالة، إذا ظفر به فانتصر منه مما كان نال منه المُدَال منه."
وفي الحديث عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَسْجِدِ حِمْصَ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالُوا: هَذَا خَدَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَدَاوَلْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ الرِّجَالُ". أَي لم يتناقَلْه الرجال وتَرْويه واحداً عن واحد ، إِنما ترويه أَنتَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
فعلى هذا الأساس يكون مدار اللفظ في مادة دول هو التناقل والتحول بعد أن كان مستترا في موضع ومنسوبا إليه وقد اكتسب مفهوم التحول، ولعل الصيغة الصرفية التي عرف بها تجعله أكثر دلالة على التناقل والتحول وتعدد الحالة. وهي الدلالات التي تناقلتها المعاجم الأخرى، فقد قدمها الزمخشري في أساس البلاغة على أنها التناقل و" الله يداول الأيام بين الناس، مرة لهم ومرة عليهم.. والماشي يداول بين قدميه: يراوح بينهما، وفعلنا ذلك دواليك أي كرات بعضها في أثر بعض" .
ويمكن أن نخلص إلى أن للمفهوم مجالات منها:
 الاسترخاء للبطن بعد أن كان في حال أخرى (أندال البطن )
 التحوّل من مكان إلى مكان ( أندال القوم )
 التناقل من أيدي هؤلاء إلى أيدي هؤلاء ( أندال المال )
 الانتقال من حال إلى حال ( الحرب )
 التمكين من حال دون آخر ( الدولة ) ومنه فهي تعنى بما يفعل الانتقال والتعدد
يلاحظ من هذه الدلالات والمعاني الدالة على التناقل والتحول من حال إلى حال أنها تتوافق مع طبيعة اللغة ذاتها كونها حمالة أوجه وكونها ظاهرة متحولة ومتداولة تعتمد معانيها على مستوى السياق الذي يضمن حدا أقصى للمعاني اللفظية القارة، فاللغة منتقلة بين الناس يتداولونها بينهم منذ الأبد إلى الأزل.
ومن أجل ذلك يرى بعض الباحثين في اللسانيات أن مصطلح ( تداولية) أكثر ثبوتا من المصطلحات الأخرى الذرائعية، النفعية ... وغيرهما.
ثانيا.التداولية اصطلاحا.
إن أقرب حقل معرفي إلى "التداولية" La pragmatique في منظور كثير من الباحثين هو "اللسانيات". وإذا كان الأمر كذلك فإنه من المشروع البحث في صلة هذا العلم التواصلي الجديد باللسانيات وبغير اللسانيات من الحقول المعرفية الأخرى التي يشترك معها في بعض الأسس المعرفية ،نظرية كانت أم إجرائية .
والتداولية ليست علما لغويا محضا، بالمعنى التقليدي، علما يكتفي بوصف وتفسير البنى اللغوية ويتوقف عند حدودها وأشكالها الظاهرة، ولكنها علم جديد للتواصل يدرس الظواهر اللغوية في مجال الاستعمال؛ ويدمج، من ثمَّ، مشاريع معرفية متعددة في دراسة ظاهرة "التواصل اللغوي وتفسيره". وعليه، فإن الحديث عن "التداولية" وعن "شبكتها المفاهيمية" يقتضي الإشارة إلى العلاقات القائمة بينها وبين الحقول المختلفة لأنها تشي بانتمائها إلى حقول مفاهيمية تضم مستويات متداخلة، كالبنية اللغوية ،وقواعد التخاطب، والاستدلالات التداولية، والعمليات الذهنية المتحكمة في الإنتاج والفهم اللغويين، وعلاقة البنية اللغوية بظروف الاستعمال ...إلخ .
والتداولية تمثل حلقة وصل هامة بين حقول معرفية عديدة، منها: الفلسفة التحليلية، ممثلة في فلسفة اللغة العادية، وعلم النفس المعرفي ممثلا في "نظرية الملاءمةThéorie de pertinence "" على الخصوص، ومنها علوم التواصل، ومنها اللسانيات بطبيعة الحال.
وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر بين الدارسين حول "التداولية" وتساؤلاتهم عن القيمة العلمية للبحوث التداولية وتشكيكهم في جدواها ... فإن معظمهم يقر بأن قضية التداولية هي "إيجاد" القوانين الكلية للاستعمال اللغوي، والتعرف على القدرات الإنسانية للتواصل اللغوي ، وتصير "التداولية" جديرة بأن تسمى: "علم الاستعمال اللغوي".
وقد تنوعت مصادر استمداده إذ لكل مفهوم من مفاهيمه الكبرى حقل معرفي انبثق منه .ف«الأفعال الكلامية» ،مثلا، مفهوم تداولي منبثق من مناخ فلسفي عام هو تيار "الفلسفة التحليلية" بما احتوته من مناهج وتيارات وقضايا وكذلك مفهوم« نظرية المحادثة» الذي انبثق من فلسفة بول غرايس Grice وأما «نظرية الملاءمة» فقد ولدت من رحم علم النفس المعرفي، وهكذا
يعد موريس أول من أعطى تعريفاً للتداولية حيث اعتبرها جزاءً من السيميائية عندما ميز بين ثلاثة فروع للسيميائية هي: التركيب ويعني به دراسة العلاقات الشكلية بين العلامات والدلالة ويعني بها دراسة علاقة العلامات بالأشياء ؛ والتداولية ويعني بها دراسة علاقة العلامات بمؤوليها .
وتوجد محاولات حديثة لربط ما طرحه موريس بالسياق الذرائعي لجالس بيرس. وخصوصاً مفهوم بيرس عن العلامة والفكر. يقول بيرس" لا نملك القدرة على التفكير بلا علامات" .
وتبنّى بيرس عقيدة ( العلامة الفكر ) وهي منهج للتأكد من معاني الكلمات الصعبة والتصورات التجريدية .
لقد سارت التداولية منذ ذلك الوقت في اتجاهين هما : الدراسات اللسانية والدراسات الفلسفية. ففي الاتجاه الأول استعملت التداولية بوصفها جزءًا من السيميائية اللسانية وليس بعلاقتها بأنظمة العلامات عموماً. وما يزال هذا المنحى اللساني قائماً لحد الآن في اللسانيات الأوربية ، أما في الدراسات الفلسفية وخصوصاً في إطار الفلسفة التحليلية، فقد خضع مصطلح التداولية إلي عملية تضييق في مجاله. وقد كان للفيلسوف والمنطقي كارناب دوره ، فقد ساوى بين التداولية والسيمياء الوصفية.
لكن ما يهمنا منه، اتجاه معظم التفسيرات اللسانية لتكون داخلية بمعنى أن السمة اللغوية تفسر بالإشارة إلي سمة لغوية أخري أو إلي جوانب معينة من داخل النظرية ، وظهرت الحاجة إلي تفسير ذي مرجعية خارجية وهنا ظهرت الوظيفية اتجاهاً ممهداً للتداولية .
مهام التداولية :تتلخص مهام التداولية فيما يلي :
 دراسة "استعمال اللغة" التي لا تدرس "البنية اللغوية" ذاتها، ولكن تدرس اللغة عند استعمالها في الطبقات المقامية المختلفة ،أي باعتبارها "كلاما محددا" صادرا من "متكلم محدد" وموجَّها إلى "مخاطب محدد" ب"لفظ محدد" في "مقام تواصلي محدد" لتحقيق "غرض تواصلي محدد" .
 شرح كيفية جريان العمليات الاستدلالية في معالجة الملفوظات
 بيان أسباب أفضلية التواصل غير المباشر وغير الحرفي على التواصل الحرفي المباشر
 شرح أسباب فشل المعالجة اللسانية البنيوية الصرف في معاجلة الملفوظات
وعليه فإن بعض الدارسين يعولون على التداولية في تحقيق مجموعة من الرهانات تعبر عنها الأسئلة التالية :
 كيف نصف الاستدلالات في عملية التواصل ،علما بأن الاستدلالات التداولية غير مُعقلنة ، وربما كانت غير مُقنِعة في كثير من الأحيان؟
 ما هو نموذج التواصل الأمثل؟ (أهو الترميز أم الاستدلال؟
 ما هي العلاقة بين الأنشطة الإنسانية الآتية: اللغة والتواصل والإدراك؟ وما هي العلاقة بين الفروع المعرفية المشتغلة بهذه الأنشطة ( أي علم اللغة وعلم التواص وعلم النفس المعرفي)؟

المطلب الثاني: الرواية التاريخية
الرواية نص أدبي نثري سردي، يتميز بالخيال في كثير من إنتاجاته، يحاول التقاط ما هو جوهري وجدلي في علاقة الإنسان بنفسه وبالتاريخ، لتسهم بشكل فاعل وحاضر في تقديم صورها لهذه العلاقة وفق منظورها الفني الخاص، وضمن حقول الفن والآداب المختلفة، جنباً إلى جنب مع العلوم الإنسانية الأخرى.
وتشترك الرواية بعناصر كثيرة كالإنسان والزمان والمكان، لذلك يمكن القول بأنها تاريخ متخيّل داخل التاريخ الموضوعي .
يعرّف جورج لوكاتش الرواية التاريخية بأنّها"رواية تاريخية حقيقية، أي رواية تثير الحاضر، ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق للذات . أو هي :"عمل فنّي يتخذ من التاريخ مادة له، ولكنّها لا تنقل التاريخ بحرفيته، بقدر ما تصوّر رؤية الفنّان له وتوظيفه لهذه الرؤية للتعبير عن تجربة من تجاربه، أو موقف من مجتمعه يتخذ من التاريخ ذريعة له .
فالتاريخ منظومة من الأحداث والتمثلات لواقع قائم، متجه نحو الماضي، في حين يكاد العمل التاريخي يكون منظومة من الأحداث والتمثلات لواقع ممكن، متجه نحو المستقبل. ولعل هذا يجعل المسافة بين الواقع والقائم والواقع والممكن تماثل المسافة التي يختزلها سؤال الكتابة بين الحقيقة والاحتمال في الرواية التاريخية.
والنّاظر إلى الحقبة الزمنية التي تطورت فيها الرواية التاريخية يمكنه أن يعيد ازدهار الرواية التاريخية إلى عاملين:
أولاً . ارتباط ذلك القصص بالحركات الثورية الإسلامية منها والقومية، إذ إنّ كتابتها وقراءتها كانت نوعاً من مقاومة الاستعمار، وكان يلجأ إليها الأديب تعبيراً عن شعوره القومي الذي يخفيه خشية من بطش المحتل. وهذا ما نجده في الرواية الجزائرية
ثانياً . وجود هذا النوع من القصص كان صدى للنزعة العامّة للعصر حينذاك التي كانت تدعو إلى إحياء التراث الإسلامي والمحافظة عليه لمواجهة التيارات الأوروبية الوافدة.
من هنا نستطيع التأكيد بأنّ الرواية التاريخية استطاعت أن تعبر عن التيارات الفكرية التي كان يموج فيها الواقع، وتفرضها الأحوال المعيشية والظروف السياسية والاقتصادية .
المبحث الثاني:
آليات تطبيق المنهج التداولي على رواية الأمير
يقوم التحليل التداولي على دراسة استعمال اللغة في إطار العلاقة بين المتلفظ والمخاطب، في إطار موقف كلامي ملموس، كما يهتم بكل ما يعتري هذه العلاقة من ملابسات وشروط مختلفة، أي أن التداولية تدرس كل العلاقات بين المنطوقات اللغوية وعمليات الاتصال والتفاعل، لذلك فمقاربتنا لرواية الأمير لواسيني لعرج وفق المنهج التداولي يكون من خلال تعرضنا للآليات التالية:
المطلب الأول: السياقcontexte:
تعد الرواية التاريخية منظومة لغوية منتجة مسبقا وتمتاز بثبوت المعنى، لكن قراءتها والتعامل بها بين أفراد المجتمع يكون خاضعا لاعتبارات مقامية وتواصلية معينة، وهذا يتطابق مع المقولة المشهورة "لكل مقام مقال"، فالمتلقي يستحضر أثناء التلقي بعضا من المقامات لغرض تقوية كلامه أو اختبار ذكائه وما إلى غير ذلك من الأغراض، إلا أنهم لا يستعمل ما تجود عليه به ذاكرته دون مراعاة السياق، فالسياق له أثر بالغ الأهمية في عملية التخاطب وتأثيره في المواقف بتعديلها أو تبديلها.
فدراسة التلفظ وفق منظور تداولي للرواية عموما والرواية التاريخية خصوصا لابد أن يكون في إطار سياق معين، فهناك عوامل كثيرة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار في عملية التلفظ مثل الحالة النفسية للشخصيات والنبرة والمحيط المادي والاجتماعي وغير ذلك، فانطلاقا من هذه الاعتبارات التي اهتمت بها التداولية اعتبرت تشابكا للكثير من التيارات، ومنهج في تحليل الخطاب أكثر منها اتجاه نقدي محدد، فهي تضم تقريبا كل الاتجاهات الأخرى كالنقد النفسي والاجتماعي وغير أنها تستفيد من هذه العناصر وتربطها بظروف إنتاج الخطاب .
وبناء على ذلك كان لا بد من الأخذ بعين الاعتبار التلفظ والسياق التاريخي والاجتماعي والثقافي الذي قيلت فيه الرواية، لأن السياق يلعب دورا في عملية التلفظ وهو الذي يكسبها المعنى السياقي.
فلا قيمة للمفردات أو العبارات بعيدة عن سياقها، فلا بد من دراسة المفردات والعبارات التي يوجهها المتكلم داخل السياق، ومن خلال الظروف المحيطة به، ومن خلال زمان ومكان التخاطب، لكي تتضح مقاصد المتكلم والمعاني المطلوب إيصالها للمخاطب والتي يرمي إليها المتكلم.
وقد لاحظنا وجود العديد من أشكال السياق في هذه الرواية نذكر منها:
أولا. السياق التاريخي:
لقد وظّف واسيني لعرج بعض الشخصيات الدينية والتاريخية، وهذا ما لمسناه في العنوان وهو الأمير عبد القادر الشخصية الجزائرية الفذة والتي تدور أحداث الرواية عن حياته وسجنه ونفيه. وهناك شخصية تاريخية أخرى مهمة في النص الروائي الذي بين أيدينا وهو شخصية دينية مسيحية فرنسية، وهي شخصية الأسقف أنطوان أدولف ديبوشAntoine-Adolphe Dupuch (1800-1856))،الأسقف الأول في الجزائر .
يقول الكاتب واسيني عنه:"- مونسينيور أنطوان ديبوش؟كان أبي وأخي، كان كل شيء في حياتي، خدمته أكثر من عشرين سنة جئت معه على هذه الأرض عندما عين أسقفا على الجزائر وصاحبته في كل منافيه إلى أن مات .
ومن السياقات التاريخية التي وظفها لعرج واسيني بعض الأحداث والتواريخ التي تجعل الرواية ذات طابع سياقي تاريخي، ومن ذلك التاريخ التي بدأت به الرواية في أول فصولها وهو: 28 جويلية 1864
لقد استعان الكاتب بجملة من الشخصيات والمواقف التاريخية العظيمة في التاريخ الجزائري المجيد ليشير إلى أنّ التدافع بين المسلمين والمسيحيين كان منذ عهد بعيد، إلى عصر الأمير وعصر الروائي. وأنّ الاستقلال كان نتيجة مجموعة من العوامل.
ثانيا. السياق الثقافي:
ونعني به استعانة الكاتب بالنصوص الثقافية والدينية، لاسيما أنّ الرواية تعالج قضية دينية وثقافية في السنوات الأولى للاستعمار، لذا كان لابدّ من توظيف عدد من العبارات الدالة عن الدين والثقافة آنذاك، فنجد بعض المصطلحات مثل: شاكر الله على... . وكذا الكتاب المقدس . ها قد منحك الله ما كنت تنتظره .
ثالثا. السياق المعجمي الدلالي:
إنّ ممّا يزيد النصّ تماسكا هو تعدّد الدلالات التي يرمي إليها واسيني لعرج، فالمتلقي حين يفتّش عن معاني قوله في عنوان الفصل الأوّل من الرواية (باب المحن الأولى) وقوله (لا شيء إلى الصمت والظلمة) وقوله (تبدو كظلال داكنة) (أضواء خافتة)...
فحين نمعن في المعاني نجد ها تحق محق معجمي في من اليأس والقنوط والمعاناة ما فيه، فهذا الدلالات تدل على سياق معجمي ظاهر للعيان
فإذا كانت الشمس ذات إيحاءات دلالية تنمّ عن النور والعلم والمعرفة، فأن الظلال والأضواء الخافتة توحي بالجهل والمعاناة والظلم والنفي، كما أن استعماله للظلّ يريد به استثمار الأمل لتحقيق مآرب الحياة والهروب من الواقع المرير إلى الأمل الفسيح.
المطلب الثاني: أفعال الكلام :
يطلق كثير من الباحثين على هذه الظاهرة اللغوية، تداولية أفعال الكلام ويسميها البعض أفعال اللغة، وهي نظرية انطلقت من فكرة جوهرية، أسس لها "أوستن"John Langshaw Austin وتلميذه "سارل"Searle John تتمثل في أن وظيفة اللغة الأساس لا تكمن وصف العالم أو التعبير عن الأفكار أو التأمل ونقل المعلومات-أي التوجه الوصفي الذي ندّد به "أوستن" وأسماه الوهم الوصفي- بقدر ما هي مؤسسة تعمل على تحويل الأقوال إلى أفعال ضمن سياقات خاصة.
يفهم من هذا أن هناك أقوالا تتم في إطار اجتماعي ومؤسساتي تصبح أفعالا منجزة بمجرد النطق بها، مثل قول الإمام قبل الصلاة:" قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله"،أو قول القاضي :"فتحت الجلسة".
فالفعل الكلامي هو كل ملفوظ ينهض على نظام شكلي دلالي إنجازي تأثيري، ويعد نشاطا ماديا نحويا يتوسل أفعال قولية لتحقيق أغراض إنجازية؛ كالطلب والأمر والوعد والوعيد، وغايات تأثيرية تخص ردود فعل المتلقي كالرفض والقبول، ومن ثم فهو فعل تأثيري؛ أي يكون ذا تأثير في المخاطب اجتماعيا أو مؤسساتيا، ومن ثم إنجاز شيئ ما.
ويقسم الباحثون هذه الأفعال اللغوية إلى أفعال مباشرة مثل أفعال العقود:(زوج، طلق، باع، اشترى، بايع وعاهد ...) و وأفعال غير مباشرة، مثل قول أحد للآخر "هل بإمكانك أن تأتيني بقلم؟" فظاهر هذا الكلام استفهام ولكن دلالته تشير إلى طلب بتقديم القلم
وعليه فإن المنطلق الأساس لهذا التوجه، يعني القطيعة مع نظرية "تشومسكي" التي ترى بأولوية النحو، ونظرية"سوسير" التي ترى بأولوية اللسان.وبذلك فاللغة حسب " أوستن" وفلاسفة اللغة، ليست مجرد وصف للعالم، بل هي فعل يؤثر في الواقع ويعدل في السلوك ويثير ردود الأفعال
وتعتبر هذه الظاهرة اللغوية جوهر إنتاج الأعمال الأدبية، خاصة في الرواية والشعر. فالسارد عندما يقوم بعملية الحكي لا يقصد تقديم سلسلة من الأحداث إلى المتلقي، بقدر ما يكون هدفه إحداث أثر ما في متلقيه، وبذلك فإن عملية السرد مثلها مثل العمليات الخطابية الأخرى تهدف إلى إيصال فكرة ما إلى المتلقي أو تضليله عنها.
وعلى هذا الأساس، يبدو أن هذه الأفعال تعمل على تحديد الرؤية السردية"التي ترتبط ارتباطا وثيقا بأحد أهم مكونات الخطاب السردي المتمثل في الراوي وعلاقته بالعمل السردي بوجه عام وذلك لاعتبار أن الحكي يستقطب دائما عنصرين أساسيين بدونهما لا يمكننا أن نتحدث عنه.هذان العنصران هما :القائم بالحكي ومتلقيه وبمعنى آخر الراوي والمروي له".وهذه الرؤية لا تتم دون منظومة سردية تؤطرها أفعال لغوية تتم من خلال عملية تفاعلية بين عنصرين اثنين هما المرسل والمتلقي من خلال عملية تفاعلية.
ومن مظاهر ذلك ما نجده في أفعال منظومة السرد عند الروائي واسيني لعرج:
أولا. أفعال الكلام من حيث الإنجاز: قد ميز أوستين بين ثلاثة أفعال يمكن أن نوظفها في روياة الأمير على النحو التالي:
1- الفعل التلفظي: وهو نفسه الذي يعني النشاط اللغوي الصرف، ويدل على إنتاج قول ذي دلالة تخضع للتركيب.
2- الفعل الإنجازي: والذي يدل على عمل، أي العمل الذي ينم عن الحديث والذي يمارس قوة على المتخاطبين.
3- الفعل التأثيري: ويدل على الحديث بوصفه قادرا على إحداث آثار ثانوية مترتبة على الفعل الإنشائي، ولكل كلام أثر يمتد بحيث يتجاوز اللحظة التي قيل فيها.
ويمكننا تلخيص ذلك بتحليل ما وجدناه في هذه الرواية عند واسيني لعرج: بالعبارة التي قالها الصياد المالطي عندما رأى جون وقد تعب كثيرا: لا تهتم يا سيدي جون. ما تزال البركة. نمشي .
إن فعل الكلام إنما هو إنتاج هذه الجملة في حد ذاته. فقول: "لا تهتم" ليس أمرا وإنما هو تنفسي من الصياد لمن يسمى جون. وقوله "لا تزال البركة" يعني أنك لزلت صغيرا في عمرك وصحيحا في بدنك وسريعا في حركاتك. ثم في الأخير يلتمس منه المشي معه. والمشي هنا لا يدلّ على المشي بالرجل لأنمها سيمتطيان قاربا ويتوجهان إلى البحر.
أما الفعل الإنشائي فيتمثل في الاستئناس التسهيل و والرضا، في حين أن الفعل التأثيري يتعلق في هذه الحال، باستثارة الأمل أو والاطمئنان على الرغم ممن كبر السن. (وهو نتيجة للفعل الإنشائي).
ويشترط أوستين في تحقيق الفعل الإنشائي عامل القصد: والمقصود بذلك هو أن الفعل الإنشائي الذي يصدر عن شخص، يرفض، في قرارة نفسه، دلالته، يعتبر فعلا غير متحقق، فإذا قال شخص معزيا شخصا آخر: إنا لله وإنا إليه راجعون وهو لا يشعر بأي أسف نحو ذلك الشخص، فلا نقول إن فعل التعزية قد تحقق، لأن المتكلم قد يقصد أشياء أخرى وراء تلفظه بصيغة التعزية. وكذلك قول جون حركاتي صارت اليوم ثقيلة جدا .
فالقصد منها التعب وعدم القدرة على المشي لكبر السن لا أن الحركة أصبح ثقيلة فحسب.
أما من حيث الدلالة فقد قسم أوستين أفعال الكلام إلى مجموعات وظيفية، لأنها كثيرة ويستحيل حصرها، بل إن إحصاءها العددي لن يفيد شيئا في فهم وظائفها في الحديث، وهو تقسيم غير مستفيض باعتراف أوستين ذاته. و من تلك التقسيمات والتي نجد الكاتب واسيني لعرج في رواية الأمير قد وظفها:
1- الأفعال الدالة على الحُكم: وهي الأفعال التي تبت في بعض القضايا التي تتمركز في سلطة معترف بها رسميا أو سلطة أخلاقية، ولا يُشترط أن تكون دائما إلزامية، فهي قد تدل على التقييم أو التقويم أو الملاحظة، وتشمل على سبيل المثال أفعال: التبرئة، الحكم، التقدير، التحليل، إصدار مرسوم... وقد شبه بعض الباحثين فعل الحكم بالفعل القانوني المختلف عن الفعل التشريعي والتنفيذي الذي يدخل ضمن مجموعة أفعال الممارسة.
2- أفعال الممارسة: هي الأفعال التي تجلي ممارسة الحق، ولها القوة في فرض واقع جديد مثل: التعيين (الرسمي)، الاستشارة الترشيح... وهو تحكيم أكثر منه تقدير وقرار أكثر منه حُكم.
3- أفعال الوعد: هي أفعال الكلام التي تؤسس لدى المتكلم إلزامية القيام بعمل ما معترف به من قبل المخاطب. إن المتكلم بتفوهه بكلام يؤسس به وجوب القيام بمحتوى قوله، ويحمل المخاطب على الاعتراف بهذه الإلزامية، مثال ذلك : القسم، الرهان، التعهد، الضمان ...
4- أفعال السلوك: وهي تشكل مجموعة متباينة ترتبط بالسلوك الاجتماعي للمتكلم، وهي التي تحمل المتكلم على اتخاذ الموقف المنصوص عليه في القول إزاء المخاطب مثل: الاعتذار، التهنئة، التعزية، الشكر...
5- أفعال العرض: هي أفعال تدخل في علاقة مع ما يقوله المتكلم عند الحديث عن طريق الحجاج، مثل: الإثبات والتأكيد والنفي والوصف والتعريف والتأويل والشرح والتوضيح...
كل هذه الأفعال الدالة والموحية وظفها الكتاب في عباراته ونصوصه وجمله وهذا يدل على أن الآلية التداولية في أفعال الكلام قد رسمت خطوطها في هذه الرواية التاريخية.
نتائج الورقة :
1. هناك اختلاف كبير في المصطلحات المتداولة لتسمية هذا العلم ولكن التداولية كلمة عربية وخفيفة الوقع وهي موافقة تماماً لمعنى (البراقماتية) التي هي محور هذا العلم في صورته المعاصرة كما ورد ذلك في المعاجم العربية والأجنبية.
2. مرّت التداولية بمراحل عديدة فقد بدأ مختلطاً بكثير من العلوم الأخرى إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم.
3. من مبادئ التداولية المقصدية والاعتماد على السياق في فهم الملفوظ الروائي.



Lien :
poetique.algerienne@gmail.com

Ajouté le: 25-02-19

National publication

عنوان المقال: الاستشهاد بالقراءات القرآنية في المعاجم العربية القديمة-دراسة وصفية-
بقلم : د. بن عبد الله واسيني.
الرتبة: أستاذ محاضر"أ" تخصص: قرآن كريم ودراسات أدبية.
جامعة: محمد بوضياف-المسيلة- الجزائر.
ملخص:
يمثل البحث دراسة لموضوع تراثي، يتمثل في الاستشهاد بالقراءات القرآنية في المعاجم العربية القديمة التي عنيت بكل ما له علاقة بالقرآن الكريم، مصدر من مصادر الاحتجاج، وسأبرز أهمية هذا النوع من الشواهد ومدى اعتماد أصحاب المعاجم علبه، وكيف استفادوا منها في إبراز دلالاتهم المعجمية في أبواب مصنفاتهم.
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فإن أهمية العلوم إنما تكون بمنبعها وأصلها، وأهمُها ما تعلق بكتاب الله  وعلم القراءات القرآنية من أقرب العلوم صلة بالقرآن الكريم، لأنها تتضمن أوجه أدائه– قراءته – التي يُفسَّر بها القرآن الكريم، إضافة لما تحويه من إثراء للمعاني القرآنية الكريمة، وللدلالات اللغوية، وهذا أمر لم يغفله العلماء المتقدمون وحاولوا الإفادة منه في شتّى الميادين، فعلماء التفسير استشهدوا بالقراءات القرآنية في تفسيرهم للآيات القرآنية، وعلماء الفقه استشهدوا ببعض أوجه القراءة القرآنية دليلا لما تبنوه من أحكام فقهية وعلماء اللغة والمعاجم استشهدوا بها للاستدلال على صحة المادة اللغوية التي حوتها معاجمهم، أو للتقعيد والتأصيل للظواهر اللغوية والنحوية والصرفية التي رووها في مصنفاتهم.وهذا ما سأحاول إيضاحه في هذا المقال، إن شاء الله.

الاستشهاد في العربية.
من المعلوم أن الشواهد في اللغة العربية أنواع كثيرة، تتمثل في شاهد القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وشاهد كلام العرب، سواء أكان شعرا أم نثرا، وهذا الأخير أقسام كُثُر كذلك؛ فنجد فيه الخطابة والرسالة والمثل والحكمة والكلام المسجوع... ولنتمنكن من تحليل مسألة الاستشهاد في العربية، رأيت أن أعرّف الشواهد وأذكر أهميتها:
1. تعريف الشواهد: لا بأس أن نعرفها في اللغة والاصطلاح على النحو التالي:
أ- الشواهد في اللغة: الشواهد جمع شاهد، وهو اسم فاعل مـن الفعل الثلاثي شَهدَ، نقول رجـل شـاهِدٌ، وكذلك الأُنثى، والجمع أَشْهاد وشُهود، وصيغة المبالغة منه شهيد على وزن* فعيل* والجمع شُهَداء، ومصدره الشهادة؛ يقال شَهِدَ يشْهَدُ شَهَادَة، واستشهد استشهادا على وزن استفعل، و شَهِدَ الرجلُ على كذا، على وزن عَلِمَ وكَرُمَ، وربما قالوا: شَهْدَ الرجلُ، بسكون الهاء مع فتح الشين، وكسرها أيضا مع سكون الهاء شِهْدَ، ووردت شِهِدَ بكسرتين .
وتدور مادة( ش.هـ.د) في لسان العرب حول الحضور والعلم والإعلام؛ يقول أحمد بن فارس في معجم مقاييس اللغة: " الشين والهاء والدال أصلٌ يدلُّ على حضور وعلم وإعلام" .
وفد وُجِدت لها دلالات أخرى كثيرة في كلام العرب على حسب موقعها من السياق، وعلي حسب استعمالاتها أذكر منها: الإقرار والاعتراف ، والحكم ، والحضور ، والمراقب للحدث ، والبرهان . أضف إلى ذلك بعض الاستعمالات التي وّظفها العربي في كلامه؛ كاللسان والماء الذي يخرج على رأس الصبي إذا ولد، وبعض الدلالات الإسلامية التي فسّر بها النبي  بعض ألفاظ القرآن الكريم كصلاة المغرب ويوم الجمعة ويوم عرفة وغيرها.
ب-الشواهد في الاصطلاح: تعدّدت التعاريف الاصطلاحية للشاهد وذلك على حسب العلم التي ينتمي إليه هذا المصطلح، وعلى حسب اختصاص كل فريق؛ وسأقتصر على اصطلاح أهل اللغة؛ وهو ما يستشهد به في إثبات قاعدة من القواعد النحوية أو الصرفية أو البلاغية، كما أن الشاهد في العبارة هو محط الغرض من ذكرها. وهي نوعان: الاستشهاد في اللغة؛ ويكون بعرض قضية لغوية أو نحوية، وإثباتها بسوْق دليل من القرآن أو الحديث، أو الشعر... والاستشهاد في الأدب؛ ويكون بسوْق دليل نثري أو شعري أو غيرهما لإقامة الدليل على قضية أدبية تعالجها، ولا يشترطون بها زمانا، كمن يستشهد بشعر الطيف من البحتري، أو الصنعة من أبي تمام، أو الفلسفة من المعري.
إلا أنّ الاستشهاد أوسع مدى من هذين النوعين، فيمكن أن يوظّف للاحتجاج لقضية فكرية، أو دينية، أو سياسية، أو تاريخية، وغير ذلك من الأفكار والمعاني. فعندما وضع النحاة الأوائل مجموعة من القواعد للغة العربية ارتكزوا على عدة دلائل، سميت هذه الدلائل بالشواهد وتضم هذه الشواهد القرآن الكريم والكلام العربي القديم قبل الإسلام وبعده على النحو الذي سنبين عندما ظهر اللحن في اللغة. فجميع القواعد المكتوبة هنا لديها شواهد ندل على صحتها. وقد أورد أبو هلال العسكري في كتابه" الصناعتين" فصلا سماه "الاستشهاد والاحتجاج" في سياق حديثه عن الشواهد الشعرية" .
ويعرّف الجاحظ الشاهد بذكر أنواعه بقوله: :"... ولم نذكر، بحمد اللّه تعالى، شيئاً من هذه الغرائب، وطريفة من هذه الطرائف إلا ومعها شاهد من كتاب مُنْزلٍ، أو حديثٍ مأثور، أو خبرٍ مستفيض، أو شعرٍ معروف، أو مثل مضروب" .
ويورد أبو هلال العسكري في كتابه جمهرة الأمثال بعضا من مقاصد الشواهد في المقدمة دون تعريفها بقوله:" ثم إني ما رأيت حاجة الشريف إلى شيء من أدب اللسان بعد سلامته من اللحن كحاجته إلى الشاهد والمثل والشذرة والكلمة السائرة، فإن ذلك يزيد المنطق تفخيما، ويكسبه قبولا، ويجعل له قدرا في النفوس، وحلاوة في الصدور، ويدعو القلوب إلى وعيه ويبعثها على حفظه، ويأخذها باستعداده لأوقات المذاكرة، والاستظهار به أوان المجاولة في ميادين المجادلة، والمصاولة في حلبات المقاولة، وإنما هو في الكلام كالتفصيل في العقد، والتنوير في الروض، والتسهيم في البرد، فينبغي أن يستكثر من أنواعه؛ لأن الإقلال منها كاسمه إقلال، والتقصير في التماسه قصور" .
و تعّرف الشواهد كذلك على حسب أصلها ومنبعها؛ فإذا كان الشاهد قرآنا، نقول الشاهد القرآني وهكذا مع القراءات القرآنية والحديث النبوي والشعر والمثل. واقتصرت في هذا البحث عن شاهد القراءات القرآنية؛ وهو تلك الأوجه من قراءات القرآن الكريم الذي أتي أتى بها أصحاب المعاجم العربية القديمة في معاجمهم ليؤكدوا بها ما ذهبوا إليه من استعمالات لغوية، أو ليدلّلوا بها على صدق المادة المعجمية التي أتوا بها أو ليبّينوا الدلالات الجديدة التي أتَتْ بها هذه القراءات.
2. أهمية الشواهد: لقد استخدم العلماء واللغويون الشواهدَ لأغراض متعددة، وفوائد جمّة أهمها:
 إثبات وجود الكلمة في اللغة العربية، بدليل ورودها في بيت شعري أو مثل سائر أو قول مأثور
 توضيح معنى الكلمة، لأن السياق يساعد على تحديد معنى اللفظ الوارد فيه.
 مساعدة القارئ على الوقوف على قضايا اللفظ الصوتية والصرفية والنحوية واللغوية والبلاغية، خاصة عندما يستعل هذا اللفظ في سياق النص.
 إضافة إلى أن الشاهد المقتبس من القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو كبار الشعراء والأدباء يلقي أضواء كاشفة على الثقافة العربية ويثير اهتمام القارئ. وقد اهتم المؤلفون بالشواهد وأكثروا منها أو استطردوا فيها حتى أنهم اضطروا في أحيان كثيرة إلى شرح معنى الشاهد كله أو بعضه، لأن الشاهد أصعب من اللفظ المطلوب فهمه.
مفهوم القراءات القرآنية:
قبل التطرّق لتعريف القراءات القرآنية، لا بأس أن أعرّج بإيجاز على تعريف القرآن الكريم لما لهما من صلة قوية ومتينة بينهما.
1. تعريف القرآن الكريم: لفظ القرآن في الأصل مصدر مشتق من قرأ، يقال قرأ قراءة وقرآناً . فهو مصدر مرادف للقراءة ويشير إليه قوله تعالى:إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . وقيل إنه مشتق من قرأ بمعنى تلا، أو من قرأ بمعنى جمع، ومنه قرى الماء في الحوض إذا جمعه، ثم نقل لفظ القرآن من المصدرية وجعل علماً، ويطلق بالاشتراك اللفظي على مجموع القرآن الكريم، وعلى كل آية من آياته . فقد يطلق لفظ القرآن على جميعه وعى بعضه وقد تسمى الكتب القديمة قرآنا .
وفي الاصطلاح يعرّف تعريفات كثيرة، والمشهور منها أنه:" كلام الله تعالى المعجز، المنزل على سيدنا محمد  واسطة جبريل عليه السلام بلسان عربي مبين المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته" . وبعضهم يزيد على هذا التعريف قيوداً أخرى مثل: المتحدى بأقصر سورة منه، أو المكتوب بين دفتي المصحف، أو المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس .
والواقع أن التعريف الذي ذكرناه آنفاً تعريف جامع مانع لا يحتاج إلى زيادة قيد آخـر، وكل من زاد عليه قيداً أو قيوداً مما ذكرناه لا يقصد بذلك إلاّ زيادة الإيضاح بذكر بعض خصائص القرآن الكريم التي يتميز بها عما سواه .
2. تعريف القراءات القرآنية:
أ. لغة: القراءات جمع مفرده قراءة، وأصل مادتها تعود إلى (ق ر ى) وهو أصل صحيح يدل على جمع واجتماع، ومنه القرآن كأنه سمي بذلك لجمعه ما فيه من الأحكام والقصص وغير ذلك . قال الله تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ .
والقراءة مأخوذة من قرأ يقرأ قراءة وقرآنًا فهي مصدر من قولك قرأت الشيء إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض . وفي اللسان جاء معنى قرأت القرآن: لفظت به مجموعا أي ألقيته .
ب. اصطلاحا: ذكر علماء القراءات تعريفات متعددة، بعضها قريب من المقصود والبعض الآخر متداخلة فيما بينها و أبرز هذه التعريفات نذكر: تعريف ابن الجزري؛ حيث قال:" القراءات علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة" . وتعريف القسطلاني عنده:" علم يعرَف به اتفاق الناقلين لكتاب الله واختلافهم في اللغة والإعراب والحذف والإثبات والتحريك والإسكان والفصل والاتصال" .
كما نجد تعريف عبد الفتاح القاضي، الذي يقول:" القراءات عند هذا العالم:"علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية وطريق أدائها اتفاقًا واختلافًا مع عزو كل وجه لناقله" .
الملاحظ من التعريفين الأولين، اشتراط النقل والسماع، لأن القراءة سنة( )، كما قال كثير من العلماء، ويمكن أن نجمل هذه التعريفات بالقول أن القراءات:" هي مذاهب الناقلين لكتاب الله في كيفية أداء الكلمات القرآنية" . فموضوع علم القراءات على هذا الأساس كلمات القرآن الكريم من حيث أحوال النطق بها، وكيفية أدائها.
تعريف المعجم وذكر مناهجه.
تعدّ المعاجم من أعظم ما ابتكره الإنسان لحماية اللغة من اللحن والحفاظ عليها من كل ما يعكر صفوتها؛ فهي تحفظ مفردات اللغة وعباراتها، وتقوم بتفسيرها وتوضيحها وتتكفل بذكر صور استعمالاتها وتمييز الأصيل من الدخيل والحقيقي من الزائف...
1. تعريف المعجم:
أ‌. المعاجم لغة من العَجَمُ ضد العَرَبُ، والأعْجَم الذي لا يفصح، وامرأة عجماء بيّنة العُجمة والعجماء البهيمة؛ لأنها لا تتكلم . وتدلّ مادة (ع.ج.م) على الإبهام والغموض وخلاف الإيضاح. ولكنا وجدنا اللغويين يقولون تعجيم الكتاب تنقيطُه كي تستبين عجمته وتتضح، وعلى ذلك فمعنى قولنا أعجمت الكتاب أوضحته وبينته . وقد يتخيل القارئ أن هناك تناقضًا بين المعجم بمعنى الإبهام الكامن في الاستعمالات الأولى، وبين المعجم بمعنى الإيضاح، ولكن بالتأمل لا نرى هناك تناقضًا، وذلك أن الهمزة من (أعجم) إنما هي للإزالة والسلب؛ أي إزالة العجمة.
ب‌. المعاجم اصطلاحا: أما من حيث الاصطلاح فالمعجم كتاب يضم كلمات لغة ما، كلها أو جلها مرتبة ترتيباً خاصاً مشروحة بما يزيل خفاءها وإبهامها، ومضبوطة ضبطاً يبين حركاتها وحروفها مقرونة بما يوضح صيغها، واشتقاقاتها، وكيفية نطقها. والمعجم الكامل هو الذي يضم كل كلمة في اللغة مصحوبة بشرح معناها واشتقاقها وطريقة نطقها وشواهد تبيّن مواضع استعمالها . أو هو كتاب يضم بين دفتيه أكبر عدد من مفردات اللغة مقرونة بشرحها، وتفسير معانيها، على أن تكون المواد مرتبة ترتيباً خاصا، إما على حروف الهجاء أو الموضوع...
2. مناهج المعاجم: اختلفت مناهج اللغويين في إيراد أبوابها؛ فمنهم من اختار جمع المواد حسب الألفاظ مرتبا إياها ترتيبه الخاص، ومنهم من رأى جمع المواد حسب الموضوعات مبوبا لها حسب المعاني، وقد اختلفت طرق الترتيب لدى الطائفتين؛ فذهبت الأولى إلى ترتيب الألفاظ على مخارج الحروف . أو على الحروف الهجائية ناظرة إلى الحرف الأول للفظة .أو الحرف الأخير لها وتجعله بابا والحرف الأول فصلا . وذهبت الثانية إلى إيراد الألفاظ الخاصة بالموضوع المعقود له الباب .
ويمكن أن نستنتج أن للعلماء منهجين في ترتيب معاجمهم:
أ.حسب المعاني: جمع مفردات اللغة وتصنيفها بالنظر إلى معانيها؛ فيجمعون الكلمات التي تتعلّق بموضوع واحد في موضعٍ واحد؛ بحيث تكون تلك الكلمات المرتبطة بعلاقة لغوية مجموعة في رسالة واحدة، وتُسمّى هذه المؤلفات التي تشتمل على هذه المفردات معاجم المعاني أو معاجم الموضوعات.
ب. حسب الألفاظ: جمع مفردات اللغة وتصنيفها بالنظر إلى ألفاظها؛ فتُرتّب الألفاظ اللغوية على ترتيبٍ معيّنٍ ينظر إلى الحروف التي تتكوّن منها، سـواءً كان الترتيب مبنيّاً عـلى الحرف الأول فالثاني، أم على الحرف الأخير فالأول، أم على أقصى حروف الكلمة مخرجاً ثمّ الذي يليه.
3. أهمية المعاجم: كان الهدف العام من تأليف المعاجم خاصة وكتب اللغة عموما هو حراسةُ القرآن الكريم من أن يقتحمه لحن في النطق أو خطأ في الفهم، وحمايةُ اللغة العربية من أن يقتحم حرمها دخيل لا ترضى عنه العربية، وصيانةُ هذه الثروة اللغوية من الضياع بموت العلماء ومن يحتج بلغتهم، فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتاب والتدوين خشية اضمحلالها وما ينشأ عن ذلك من الجهل بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. ولعل ابن منظور كان موفّقا عندما ذكر أهمية معجمه بقوله في مقدمته:" وليس لي في هذا الكتاب فضيلةٌ أمتُّ بها، ولا وسيلة أتمسَّكُ بسببها، سوى أني جمعت فيه ما تفرَّق في تلك الكتب من العلوم..." ويمكن أن نستنتج أهميتها وفوائدها كما يلي:
 معرفة الضبط الصحيح للكلمة بحركاتها وتصريفاتها.
 الكشف عن معاني المفردات الغريبة والغامضة.
 معرفة أصل اللفظ، واشتقاقاته.
 التعرف على جميع دلالات اللفظ الواحد أو الألفاظ التي لها أكثر من دلالة فيجعلنا نتعرف على بعض الظواهر اللغوية، مثل: الاشتراك اللفظي والأضداد...
 معرفة الألفاظ الفصيحة، وتمييزها عن الألفاظ العامية.
 معرفة تاريخ اللفظ وتطور دلالاته، و استعمالاته.
 معرفة الألفاظ والكلمات القديمة التي هجرها الاستعمال.
 معرفة معنى الكلمة وهي مفردة، ومعناها في السياق مع مثيلاتها من الكلمات.
 معرفة بعض الشواهد اللغوية، والنحوية، والصرفية، والبلاغية وكذلك الشواهد القرآنية والشعرية والنثرية وأصحابها.
 جعل اللغة قادرة على مواكبة العلوم والفنون، وذلك بإطلاق أسماء على المخترعات الجديدة من مخزون اللغة اللفظي؛ مثل: كلمة حـاسوب وكلمة مذياع، وكلمة هاتف، وطابعة وغيرها من الألفاظ الجديدة.
 المحافظة على سلامة اللغة وحمايتها من الاندثار.
أهمية القراءات القرآنية في المعاجم العربية:
فد حظيت القراءات القرآنية باهتمام المسلمين منذ نهضتهم الأولى على يد رسول الله  وصحابته الكرام إلى يومنا هذا، فقد تجرّد عدد كبير من علماء المسلمين لخدمته و قراءاته وسطّروا كل ما جادت به عقولهم وأفكارهم في مؤلفاتهم حتى أصبحت مفخرة المسلمين ومضانّ الدارسين من بعدهم في الدرس والتأليف.
والمتأمل في الدرس اللغوي يجده قد تأثر تأثراً واضحاً بهذه المؤلفات؛ إذ لا يكاد يخلو كتابٌ في أصوات العربية وصرفها ونحوها ومادتها المعجمية واللغوية من جملة كبيرة من القراءات وما يتصل بها من مسائل مَثّلت القواعد والضوابط التي أصلت للغة العربية من حيث مفرداتها وأساليبها.
وقد بذل العلماء جهداً فائقاً لخدمة القرآن بمختلف قراءاته المتواترة والشاذة، فوجّهوها بالتفسير وبالتعليل المستند إلى الأصول المعتمدة عندهم، واستشهدوا على ذلك بالشواهد الفصيحة التي جمعوها من البوادي عبر رحلاتهم العلمية المديدة، وقد استندوا إلى هذه القراءات في تأصيل قواعدهم، وإرساء معالم الصناعة النحوية والصرفية، وضبط مفردات اللغة( ).
لذلك يمكن القول إنه يجوز الاستشهاد بالقراءات القرآنية، دون التفريق بين الشاذة منها والمتواترة في الاستشهاد.
ومن المعلوم أن للقراءات الصحيحة شروطاً ومعايير تجعلها مقبولة وقد اعتمدها أصحاب المعاجم والنحاة واللغويون والبلاغيون وغيرهم، واستنبطوا منها الأصول التي بَنَوْا عليها علومهم، وما خالف شروط القراءة الصحيحة عَدُّوه شاذاً، وقد وضع كثير من هؤلاء الغويين أو النحويين شرطًا واحدًا لصحة الاستشهاد بالقراءة، وهو صحة نقلها عن القارئ الثقة حتى لو كان فردًا، سواء رويت القراءة بطريق التواتر أو الآحاد، وسواء كانت سبعية أو عشرية أو شاذة.
بل إن ابن جني في كتابه المحتسب كان حريصًا على وضع القراءة الشاذة على قدم المساواة مع القراءة المتواترة، فقد عرّف القراءات الشاذة بكوْن هذا النوع:" خارجاً عن قراءة القراء السبعة المقدَّم ذكرها، إلاّ أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالرواية من أمامه وورائه. ولعله أو كثيرًا منه مساو في الفصاحة للمجتمع عليه، نعم وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنُف بغيره فصاحتهوترسو به قدم إعرابه..." .
وإذا كان بعض العلماء يحظر التعبد أو الصلاة بغير المتواتر لأنه ليس بقرآن . فهناك من العلماء من سمح بروايته، والاستشهاد به لأسباب أخرى. يقول القسطلاني في لطائف الإشارات: " إن من قرأ بالشواذ غير معتقد أنها قرآن، ولا يوهم أحدًا بذلك بل لما فيها من الأحكام الشرعية أو الأحكام الأدبية فلا كلام في جواز قراءتها" .
فالقراءات المتواترة والشاذة حجة عند أهل العربية، وإن كانت الأُولى أعلى قـدراً، وبهذا تدخل القراءات القرآنية بجميع درجاتها ومستوياتها في الدرس الأدبي واللغوي والبلاغي، وتقف على قدم المساواة مع القرآن الكريم، والحديث الشريف، والشعر الجاهلي والإسلامي، ومأثور النثر من حكم وأمثال وخطب في صحة الاستشهاد بها، والاستناد إليها في إثبات سلامة التعبير، وفي إمكانية اتخاذها مرتكزًا لتحقيق التيسير.
ومن المعلوم أن الهدف الرئيس من تعدد القراءات واختلافها هو التيسير ورفع الحرج عن الأمة في قراءة كتاب ربها عز وجل، يقول ابن الجزري في كتابه" النشر في القراءات العشر" عند حديثه عن الأحرف السبعة . ويشير إلى ذلك قوله في طيبة النشر :
وأصـل الاخـتـلاف أن ربّــنا*** أنـزله بســبعة مــهوِّنَا
أي مُهوِّنا على قارئيه ورافعا الحرج عليهم.
ولكن إلى جانب هذا الهدف احتوت ظاهرة التنوع في القراءات جوانب أخرى أعطت للنص القرآني تميزه وسموه على الكتب السماوية الأخرى، وعلى النصوص البشرية النثرية والشعرية على حدٍ سواء، مما استحق أن يتّصف هذا القرآن بالإعجاز.
وكان من بين هذه الجوانب جانب تعدد المعاني بتعدد القراءات؛ إذ كل قراءة زادت معنى جديداً لم تبينه أو توضحه القراءة الأخرى . وبهذا اتّسعت المعاني بتعدد القراءات، إذ تعدّدّ القراءات يقوم مقام تعدد الآيات القرآنية" .
وبهذا يكون من مقاصد الاختلاف في القراءات القرآنية تكثير المعاني واتساعها، ولكن من غير تناقض أو تباين في المعاني، وإن وجدت قراءتان بمعنيين مختلفين لا نقدح في واحدة منهما ولا نفضل إحداهما على الأخرى.يقول القرطبي في ذلك:"... وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال إحداها أجود من الأخرى، كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها..." .
كما أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب التي عُرفت بالمعاني الكثيرة للفظ الواحد أو العبارة الواحدة، وهذا من الخصائص التي تميزت به اللغة العربية عن غبرها من اللغات .
فالقراءات القرآنية من الخصائص التي تميزت به الأمة الإسلامية، كما أن تعدد المعاني للمفردة الواحدة من خصائص اللغة العربية.
وجوه تأثير القراءات القرآنية على المعجم والدلالة.
لقد ذكر غير واحد من العلماء أن اختلاف القراءات القرآنية من الناحية الدلالية والمعجمية مردّه إلى ثلاثة أحـوال:
1. اختلاف اللفظ والمعنى الواحد؛ كاختلافهم في قوله تعالى:(الصراط، وعليهم، ويؤده، والقدس، ويحسب) ونحو ذلك مما يطلق عليه أنه لغات فقط، فالكلمة الأولى تقرأ بالسين والصاد والزاي، والثانية: عليهـم، وإليهم ولديهم، بضم الهاء مع إسكان الميم وبكسر الهاء مع ضم الميم وإسكانها، والثالثة و يؤده إليك، ونؤته منها، وفألقه إليهم، بإسكان الهاء وبكسرها مع صلتها واختلاسها، ونحو ذلك البيان والإدغام والمد والقصر والفتح والإمالة وتحقيق الهمز وتخفيفه وشبهه مما يطلق عليه أنه لغات فقط .
فاختلاف الألفاظ في هذه الكلمات لم يؤد إلى اختلاف المعنى، وإنما بقي المعنى نفسه في تلك الكلمات.
2. اختلافهما جميعاً مع جواز اجتماعهما في شيء واحد؛ نحو قوله تعالى: مالك، وملك في الفاتحة، لأن المراد في القراءتين هو الله تعالى، لأنه مالك يوم الدين وملكه، وكذلك في قوله تعالىيَكْذِبون،ويُكَذِّبون لأنهم يَكْذِبون في أخبارهم، ولأنهم يُكذِّبون بالنبي .
3. اختلافهما جميعاً مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء واحد بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضي التضاد؛ وذلك نحو قوله تعالى:وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ ؛ حيث قرئ بالتشديد والتخفيف في لفظ كذبوا هكذا كُذِّبوا، وكذِبوا، فأما وجه التشديد فالمعنى: وتيقَّنَ الرسل أن قومهم قد كذّبوهم, وأما وجه التخفيف فالمعنى: وتوهم المرسل إليهم أن الرسل قد كذَبوهم- أي كذبوا عليهم - فيما أخبروهم به، فالظن في الأولى يقين، والضمائر الثلاثة للرسل، والظن في القراءة الثانية شك، والضمائر الثلاثة للمرسل إليهم .
وكذا قوله:وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ . بفتح النون الأولى ورفع الأخرى وبكسر الأولى وفتح الثانية، فهو أن يكون أن مخففة من الثقيلة أي وإن مكرهم كان من الشدة بحيث تقتلع منه الجبال الراسيات من مواضعها وفي القراءة الثانية إن نافية أي ما كان مكرهم وإن تعاظم وتفاقم ليزول منه أمر محمد  ودين الإسلام ففي الأولى تكون الجبال حقيقة وفي الثانية مجازاً .
فإن ذلك كله وإن اختلف لفظاً ومعنى وامتنع اجتماعه في شيء واحد فإنه يجتمع من وجه آخر يمتنع فيه التضاد و التناقض .

الخاتمة:
بعد التّطواف بين مباحث هذا المقال، يمكن أن أقدِّم بعض ما استنتجته وخلصت إليه:
أولا: أصحاب المعاجم العربية القديمة اعتنوا بالقرآن الكريم، وبقراءاته المختلفة.
ثانيا: هناك علاقة قوية بين القراءات القرآنية وبين المعاجم العربية تتمثل في الأخذ والعطاء وفي التأثُّر والتأثير، فقد أخذت المعاجمُ الدلالاتِ ومعاني المفردات من القراءات، والقراءات القرآنية أعطت المعاجم بعض المصداقية لهذه الدلالات والتفسيرات.
ثالثا: اتبع أصحاب المعاجم طرقا عديدةً في الاستشهاد بالقراءات حسب استعمالاتها، وعلى حسب نظرتهم إليها، وعلى حسب صحّتها.
رابعا: لم يفِّرق أصحاب المعاجم في الاستشهاد بها بين القراءات الشاذة والمتواترة والصحيحة وغيرها؛ لأن غرضهم في ذلك تكثير الدلالات والمعاني، والتي لا تحتاج إلى صحة وضعف.
الهوامش:


Lien :
http://annales.univ-mosta.dz

Ajouté le: 25-02-19

National publication

الاستشهاد في الصناعة المعجمية ومنهج التعامل معها في ظل الاستراتيجيات الحديثة
بقلم: د/ابن عبد الله واسيني جهة العمل: جامعة المسيلة- الجزائر.
أستاذ محاضر صنف أ
ملخص البحث:
يحاول هذا البحث بسط المسألة حول الاستشهاد في المعاجم العربية المعاصرة وأثره في الصناعة المعجمية، إذ إن المداخل المعجمية تحتاج إلى إيضاح معناها وبيان استعمالها، وذكر تطورها. وسيقوم بإعطاء تعريف لهذه الشواهد التي تتألف من جمل وعبارات مقتبسة من القرآن والكريم وقراءاته المختلفة والنّثر والشعر.
ثم يعرّج على المعجم وأهميته وعلاقته بهذه الشواهد. ثم سيتحدّث عن رؤية المعجم المعاصر في استعماله الشواهد، ومنهجه في ذلك، وطريقة استخدامه لها في طيات أبوابه ومباحثه.
وحاول البحث الإجابة عن الأسئلة التالية:
 ما مدى اهتمام أصحاب المعاجم الحديثة بالاستشهادات المختلفة في الصناعة المعجمية؟
 هل هناك أنواع جديدة للشواهد التي كان للعصر الحديث الفضل في إيجادها؟
 ما هي الرؤية الجديدة للمعجم المعاصر في استعماله الشواهد؟
وكان الهدف من هذه الدراسة هو وضع خطة نظرية للتعامل مع الشواهد العربية، ودراسة منهج معالجتها في ظل الاستراتيجيات العلمية والعالمية الحديثة والمعاصرة.
الكلمات المفتاحية: المعجم- الصناعة المعجمية- الاستشهاد- المنهج.
The Title: The arguming in Lexicography and the interaction method with him
under the new strategies
Written by : Dr. BENABDELLAH Ouassini
Abstract:
This research tries to analyse the issue of The arguming in contemporary Arabic lexical and his impact in lexicography, Since the lexical entries need to clarify its meaning, its use, and mentioned its evolution.And making friends to give a definition of these Evidences which consist of sentences and phrases taken from «Holy Quran» and his «Quranic Readings», Prose, and Poetry.
Then it moves to the lexical and its significance and its relationship to him.Then it will talk about contemporary lexical in its use, And his approach to it of its parts and discussing it. And its method of use in This folds of of its parts and discussing it.
the research attempted to answered the following questions:
 how Modern dictionaries owners of Evidences different in Lexicography?
 are there new types of Evidences trials of modern times was credited with finding her?
 What is the new vision of the Contemporary Lexical in use Evidences?
The aim of this study was to make theory plan for the dealing with Arabic Evidence, and examining method of address them, Under the Scientific Strategies, Universality Modern and contemporary.
Key words :Lexical; Lexicography;The Arguming; Method

مقدمة:
تمثل المعاجم مصدراً هاماً للباحث في الدراسات اللغوية والأدبية، ولا سيما بعد أن ظهرت تلك المعاجم الكبرى كالعين للخيل، وتهذيب اللغة للأزهري، ومعجم الصحاح للجوهري، ومعجم أساس البلاغة لجار الله الزمخشري، ولسان العرب لابن منظور، ومعجم القاموس المحيط للفيروز أبادي، ثم أعقبتها طائفة من القواميس والمعاجم تنهل من أصولها وتحاول مواكبة العصر بكل ما فيه من تغيرات واستراتيجيات.
وقد شملت هذه المعاجم كثيراً من شؤون الحياة العربية لغوياً وأدبياً وفكرياً وتاريخياً وما إلى ذلك، بالإضافة إلى الهدف الأساسي وهو جمع ألفاظ اللغة وتحديد صيغها ومعانيها وما يَعْرِض لها أحياناً من اختلاف بين لهجات القبائل، أو اختلاف بين آراء أهل اللغة، أو ما أشبه ذلك، وقد اعتمد أصحاب هذه المعاجم على الاستشهاد من القرآن الكريم وقراءاته ومن كلام العرب‏ شعرا ونثرا والحديث النبوي الشريف.
وقد رأيت أن يكون العمل في هذا البحث وفق الخطة التالية:
مقدمة:
المبحث الأول. التعريف بمصطلحات البحث: الاستشهاد، الصناعة المعجمية، المنهج
المبحث الثاني. أهمية الاستشهاد في الصناعة المعجمية
المبحث الثالث. منهج التعامل مع الشواهد في ظل الاستراتيجيات الحديثة.
خاتمة
المبحث الأول. التعريف بمصطلحات البحث: الاستشهاد، الصناعة المعجمية، المنهج
المطلب الأول الاستشهاد في العربية:
لقد كان للعرب حفاوة بالغة بفن القول وطرق التعبير وأدائه، حتى يصل إلى قلب السامع أو القارئ ويؤثر فيه، ومن تلك الطرق استشهادهم على صحة كلامهم وحديثهم بجملة من الشواهد والأمثلة، ذلك أن الاستشهاد في اللغة العربية هو استعمال الشواهد، فينبغي لنا معرفة الشواهد وأنواعها، وأهميتها:
أولا. تعريف الشواهد.
الشواهد في اللغة جمع شاهد، وهو اسم فاعل مـن الفعل الثلاثي شَهِدَ، نقول رجـل شـاهِدٌ، والجمع أَشْهاد وشُهود، وصيغة المبالغة منه شهيد على وزن* فعيل* والجمع شُهَداء، ومصدره الشهادة؛ يقال شَهِدَ يشْهَدُ شَهَادَة، واستشهد استشهادا على وزن استفعل . وتدور مادة(ش.هـ.د) في لسان العرب حول الحضور والعلم والإعلام.
وقد ارتكزت معاني الشاهد أساسا في الإخبار والإعلام، والحضور ، والعلم والحكم، والاعتراف، والبرهان، أضف إلى ذلك بعض الاستعمالات التي وّظفها العربي في كلامه؛ كاللسان والماء الذي يخرج على رأس الصبي وبعض التي فسّر بها النبي  بعض ألفاظ القرآن الكريم كصلاة المغرب ويوم الجمعة ويوم عرفة وغيرها.
أما في الاصطلاح فالشاهد هو ما يستشهد به في إثبات قاعدة من القواعد النحوية أو الصرفية أو البلاغية، كما أن الشاهد في العبارة هو محط الغرض من ذكرها. وهي نوعان:
*-الاستشهاد في اللغة: ويكون بعرض قضية لغوية أو نحوية وإثباتها بسوْق دليل من قرآن أو حديث، أو شعر؛ فعندما وضع النحاة الأوائل مجموعة من القواعد للغة العربية ارتكزوا على عدة دلائل، سميت هذه الدلائل بالشواهد. فجميع القواعد المكتوبة هنا لديها دلائل ندل على صحتها أو عدم صحتها.
*-الاستشهاد في الأدب: ويكون بإتيان دليل قرآني أو نثري أو شعري لإقامة الدليل على قضية أدبية تعالجها، ولا يشترطون بها زمـانا، كمـن يستشهـد بشعـر البحتري أو بأبي تمام، أو بالمعري.
إلا أنّ الاستشهاد أوسع مدى من هذين النوعين، فيمكن أن يوظّف للاحتجاج لقضية فكرية، أو دينية، أو سياسية، أو تاريخية، وغير ذلك من الأفكار والمعاني.
وتعرف الشواهد على حسب أصلها ومنبعها؛ فإذا كان الشاهد قرآنا، نقول الشاهد القرآني وهكذا مع القراءات القرآنية والحديث النبوي والشعر والمثل. فعلى هذا الأساس نستطيع تعريف الشواهد بأنها تلك" الآيات القرآنية أو قراءاته أو الأحاديث النبوية أو كلام العرب الفصحاء، التي يستعملها العلماء في التأصيل لقاعدة ما أو لتأكيد معنى من المعاني. أو لتوضيح فكرة ما". كما أنها تُعرّف كذلك حسب الغرض من ذكرها في باب الاستدلال بها، أو حسب القضية التي من أجلها سيقت هذه الشواهد؛ فنقول مثلا الشواهد النحوية أو الصرفية أو البلاغية؛ فالشواهد النحوية ما يؤتى به للاستدلال في قضية نحوية، كرفع الفاعل ونصب المفعول، وكالتقديم والتأخير، وغيرها من القضايا النحوية وكذا الشواهد الصرفية في المسائل الصرفية من اشتقاقات.
ثانيا. أنواع الشواهد:
قلت سابقا في تعريف الشواهد أنها تعّرف على حسب أصلها ومنبعها؛ وهذا الأصل يكون إما كلام الله تعالى، أو كلام نبيه  أو كلام البشر شعرا نثرا قيل في عصر الاحتجاج.
وسأورد هذه الأنواع- بعون الله- مرتبة على حسب قدسيتها بدءا من القرآن الكريم وانتهاء بالمثل:
أ- شاهد القرآن الكريم وقراءاته.
1-القرآن الكريم: إن للقرآن تعريفات كثيرة، وذلك بسبب تعدد الزوايا التي ينظر العلماء منها إليه. إلا أن التعريف الجامع والمانع له يكمن في قولهم هو:"كلام الله تعالى المعجز، المنزل على سيدنا محمد  واسطة جبريل  بلسان عربي مبين، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته" . وبعضهم يزيد قيوداً أخرى مثل: المتحدى بأقصر سورة منه، أو المكتوب بين دفتي المصحف، أو المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس .
ولا شك أن يقوي الحجة عند الاستشهاد به، وهي سمة مشتركة مع الشواهد الأخرى، ولكنه يزيد عليها قوة الإيحاء والتأثير، لما له من مكانة إيمانية، ولأنه منزل من الله . ومن مظاهر الاستشهاد به استعمال بعض آياته كأمثال وحكم بتداولها الناس فيما بينهم ويدللون بها عن بعض الوقائع المستحدثة في زمانهم. وقد أورد السيوطي في كتابه الإتقان باباً في ألفاظ من القرآن جارية مجرى المثل، وأورد من ذلك قوله تعالى:لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ .لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ .لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ . ومن مظاهر الاستشهاد به كذلك إقامة الدليل به على المخالفين أو المعاندين، وأما الاستشهاد بآية من الآيات على واقعة جرت وحدثت، فهذا لا بأس به، فإن رسول الله استشهد بالآيات على الوقائع؛ من ذلك استشهاده  حينما جاء الحسن والحسين يتعثران في قميصين أحمرين وهو يخطب في الناس فقطع كلامه ونزل فحملهما ثم عاد إلى منبره وقال  الآية:إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ . كما أنه منارة تتلألأ يهتدي بها العلماء لإرساء القواعد اللغوية والبلاغية، وإبقائها في سلامة وصحة، وهو مصدر من مصادر التقعيد، وكان سببا في اجتهاد العلماء وتوافرهم على وضع علوم النحو والصرف وعلوم البلاغة وغيرها، واستقصاء المفردات وتحرِّي مصادر الفصيح والدخيل .
2-القراءات القرآنية: لا شك أنها من أهم الموضوعات التي يتناولها الدارسون لتعلقها بكتاب الله تفسيرًا وبيانًا، وتعد مصدرا مهما من مصادر اللغويين وغـيرهم، بوصفها شواهد على صحة ما يستنبطن من أحكام. ولذلك اهتموا بها وأوردوها في مصنفاتهم. وذكر علماء القراءات تعريفات متعددة، بعضها قريب من المقصود والبعض الآخر متداخلة فيما بينها، وأبرز هذه التعريفات نذكر: تعريف ابن الجزري؛ الذي عرّفها بأنها:" علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة" . وتعريف القسطلاني:علم القراءات عنده:"علم ُيعرَف به اتفاق الناقلين لكتاب الله واختلافهم في اللغة والإعراب والحذف والإثبات والتحريك والإسكان والفصل والاتصال" .
الملاحظ من التعريفين، اشتراط النقل والسماع، ويمكن أن نجمل هذه التعريفات بالقول أن القراءات: "هي مذاهب الناقلين لكتاب الله في كيفية أداء الكلمات القرآنية" .
والمتأمل في الدرس المعجمي واللغوي يجده قد تأثر تأثراً واضحاً بهذه القراءات؛ إذ لا يكاد يخلو كتابٌ في أصوات العربية وصرفها ونحوها ومادتها المعجمية واللغوية من جملة كبيرة من القراءات وما يتصل بها من مسائل مثّلت القواعد والضوابط التي أصلت للغة العربية من حيث مفرداتها وأساليبها. كنا أنهم وجَّهوا هذه القراءات بالتعليل المستند إلى الأصول المعتمدة عندهم، واستشهدوا على ذلك بالشواهد الفصيحة التي جمعوها من البوادي عبر رحلاتهم العلمية المديدة، وقد استندوا إليها في تأصيل قواعدهم، وإرساء معالم الصناعة المعجمية والنحوية والصرفية، وضبط مفردات اللغة .
وإذا كان بعض العلماء يحظر التعبد أو الصلاة بغير المتواتر لأنه ليس بقرآن ، فهناك من العلماء من سمح بروايته، والاستشهاد به لأسباب أخرى . فالقراءات المتواترة والشاذة حـجة عند أهل العربية، وإن كـانت الأُولى أعلى قـدراً، وبهذا تدخل القراءات بجميع درجاتها ومستوياتها في الدرس الأدبي واللـغوي والبلاغي، وتقف على قدم المساواة مع القرآن في صحة الاستشهاد بها.
ب- شاهد الحديث النبوي الشريف.
إن قضية الاستشهاد بالحديث من القضايا الهامة في الدراسات اللغوية والأدبية والمعجمية التي توجبت على الباحثين والعلماء الاعتناء بها، لتلك المكانة لأحاديث الرسول  ولما فيها من بلاغة وفصاحة. والحديث ضد القديم والجديد من الأشياء، ويستعمل في اللغة أيضاً حقيقة في الخبر أو النبأ ، وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى:هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى أي خبر موسى، وخبر الغاشية، وأما قوله سبحانهمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ أي جديد. والحديث في الاصطلاح هو: كل ما نقل عن النبي  من قول أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية أو صفة خلقية، حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام .
ويعد علم الحديث من أجلّ العلوم بعد القرآن، وإذا كان علماء اللغة العربية قد جعلوه أعلى قمة الاستشهاد في قواعدهم، فإن حديث الرسول  قد نال المرتبة الثانية عند البعض من العلماء.
أما الاستشهاد بكلامه  من الناحية اللغوية فقد ثار خلاف بين السابقين من علماء النحو في صحة الاستشهاد به، فمنهم من قبله جملة وتفصيلا، وتحرّج بعضهم من ذلك وخلت كتب كثيرة من ذكر الأحاديث النبوية ، وهو خلاف طويل لخصه البغدادي في مقدمة خزانة الأدب لمن أراد الرجوع إليه .
ونحن نعلم قطعاً أن رسول الله  كان أفصح العرب، فلم يكن يتكلم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها، وإذا تكلم بلغة غير لغته فإنما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريق الإعجاز، وتعليم الله تعالى ذلك له من غير معلّم. ويمكننا أن نستنتج أن هناك قسمين للحديث النبوي من ناحية الاستشهاد:
- قسم يعتني ناقله بمعناه دون لفظه، فهذا لم يقع به استشهاد أهل اللسان.
-وقسم عرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص؛ كالأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته  ككتابه لهمدان، ولوائل بن حجر، والأمثال النبوية؛ فهذا يصح الاستشهاد به. ومما يدل على صحة ما ذهب إليه أن ابن مالك في جواز الاستشهاد بأقوال النبي  أنه استشهد على لغة أكلوني البراغيث بحديث الصحيح .
ج-الشاهد من كلام العرب:
لقي الشعر والنثر عناية من علماء العربية؛ من حيث بناء الألفاظ وصياغة العبارات، والخضوع لقواعد اللغة، والنحو حـسب طبيعة كلٍّ منهما، وقد كانت النظرة في بادئ الأمر إلى كلام العرب واحدة من حيث الخصائص التعبيرية- لكل منهما- في صياغة العبارة وبناء الألفاظ؛ بدليل اشتراكهما في شواهد اللغة والنحو، فلم يفرق علماء العربية بين شاهد المنثور وشاهد المنظوم في كتبهم، فترى الشاهد من القرآن الكريم جنباً إلى جنب مع الشاهد من الحديث النبوي، والشعر، والمأثور من أقوال البلغاء والحكماء.
وسأتحدث بعون الله عن الشاهد من كلام العرب، بقليل من التوضيح:
1) الشاهد الشعري: وهو من المصادر الرئيسة التي استمدّ منها العلماء قواعد اللغة. ولا شك أنّه يحتلُّ مكانة مرموقة في الدراسات اللغوية والأدبية على حدّ سواء . وقد حـوا كثيرا من القضـايا في شتى المجالات التاريخية والاجتماعية والسياسية، ولأنّ كثيرا منه وصل إلى مرتبة أن جُعل في مصاف الحكمة والفصاحة، فقد عبّر عنه الرسول الأكرم قوله:«إن من البيان لسحراً وإن من الشعر لحكماً» . والشعر كـلام مـوزون مقفى بأفاعيلَ محصورة في عــدد معيّن مـن الحروف والحـركات، والسكنات ، تكون أوزانه كلها على روي واحد وهو القافية .
وكان للشعر منزلة كبيرة عند العلماء؛ فكان يجمع عندهم بين الجد والترفيه وبين العلم والفن، وكان ملاذا للمفسرين؛ يفسرون غربيه ويشرحون ما استصعب منه، ويبيّنون بعضا من تأويلاته . ومن مزاياه أنه يستشهد به في بناء القواعد، لما فيه من غزارة المواد، وصـحّة الاستشهاد، والإطلاع على أصول اللغة، ونوادر العربية" .
2) الشواهد النثرية: تجدر الإشارة إلى أن المنثور أنواع كثيرة منها الخطابة والرسالة والمثل والحكمة والكلام المسجوع، إلا أني اخترت الحديث عن المثل فقط لسهولة انتشاره ولكثرة الاستشهاد به في الكتب عامة وفي المعاجم خاصة... .
*-المثل: يظهر من من المعاجم، أنّ للفظ المثل معاني مختلفة، كالنظير والصفة والعبرة، وهـو مشتق من مِثل، أي شِبه . والمثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولاً في شيء آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره نحو قولهم" الصيف ضيعت اللبن" . والحقيقة أن المثل عصارة تجارب السنين وتراكم الخبرات لا تصدر إلا عن معاناة، أو عن موقف، أو عن سبب من الأسباب، تطلق في وقت ما فجأة ليصبح تداولها على كل لسان فتغدو مثلا مشاعا لكل من رام منه حاجته.
تشكل الأمثال بـأنواعها أبسط الأشكال الأدبية الفنية وأوجـزها عند معظم الشعوب، وتعكس مشاعر الناس، وأفكارهم وتصوراتهم لحياتهم، وعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم، ومعظم مظاهر نشاطات حياتهم الأخرى، يضاف إلى ذلك ما تمتاز به الأمثال من سرعة انتشارها وترددها على الألسن من جيل إلى جيل، وما لها من أثر السحر في التأثير على الناس وإقناعهم، رغم بساطة معانيها، وسذاجة صياغتها في معظم الأحيان. ولما كان للأمثال هذه الأهمية، فإن الأمثال العربية بكل أنواعها تكاد تقابلنا في معظم مصادر التراث العربي، ككتب التفسير، والمعاجم اللغوية، وأمّهات الأدب والمسامرات والأخلاق، وكتب اللغة والنحو، والموسوعات الثقافية. وقد عُنِيَ علماءُ الأدب واللغة وأصحاب المعاجم منذ وقت مبكر بجمعها وتصنيفها وشرحها، واعتُمد عليها في التقعيد والتأصيل لبعض القضايا اللغوية وجعلوا منها مادة تأديبية وتربوية، ودعموا بها أقـوالهم...
تلكم هي أنواع الشواهد التي رأيت أن أبرزها في هذه الورقة، لكن بقي الإشارة إلى أن في العصر الحديث تستعمل المعاجم الحديثة نوعا آخر منها، وهي الشواهد الصـورية، وهي على شكل صور ورسومات؛ كصور الحيوانات وأنواع الأشجار والألبسة ورسومات لجسم الإنسان وخرائط وأجهزة إلكترونية وغيرها. والهدف منها تقريب الفهم وإيضاح المعنى وتوضيح المصطلحات، كمنجد الطلاب ومنجد المترادفات والمتجانسات...
المطلب الثاني: الصناعة المعجمية:
تعدّ المعاجم من أعظم ما ابتكره الإنسان لحماية اللغة من اللحن والحفاظ عليها من كل ما يعكر صفوتها؛ فهي تحفظ مفردات اللغة وعباراتها، وتقوم بتفسيرها وتوضيحها وتتكفل بذكر صور استعمالاتها وتمييز الأصيل من الدخيل والحقيقي من الزائف... فكلما وجد الباحث إشكالا لغويا رجع إليها، فتبدّد الإشكالُ وظهر الوضوحُ وبدت له المعاني بيّنة واضحة جليّة، يختار منها ما يشاء، ويتعرف على ما صعب عليه فهمه من مدلولات.
يمثل هذا المصطلح مركبا وصفيا يتكون من الصناعة والمعجمية، أما الصّناعة فهي ذلك الفن العملي، أي فن كتابة المعاجم وبنائها؛ حيث يشمل التّأليف للمواد المرجعيّة المرتبة على المداخل، مثل المعاجم، والفهارس، وعموماً إرشادات الاستعمال التي تعطي معلومات، إذاً فالصّناعة المعجميّة مادّة لسانيّة تُعنى بتأليف المعاجم كما ذكرنا، ونحن هنا نتحدث عن الصّناعة في ارتباطها بمجال المعجم، أي الصّناعة المعجميّة.
1) مفهوم المعجم: المعجم لغة من العَجَمُ ضد العَرَبُ، والأعْجَم الذي لا يفصح، وامرأة عجماء بيّنة العُجمة والعجماء البهيمة؛ لأنها لا تتكلم . وتدل مادة (ع ج م) على الإبهام والغموض وخلاف الإيضاح. ولكن تعجيم الكتاب تنقيطُه؛ كـي تستبين عـجمته وتتضح، وعلى ذلك فمعنى قولنا أعجمت الكتاب أوضحته وبينته .
أما من حيث الاصطلاح فالمعجم كتاب يضم كلمات لغة ما، كلها أو جلها، مرتبة ترتيباً خاصاً مشروحة بما يزيل خفاءها وإبهامها، ومضبوطة ضبطاً يبين حركاتها وحروفها مقرونة بما يوضح صيغها، واشتقاقاتها، وكيفية نطقها. والمعجم الكامل هو الذي يضم كل كلمة في اللغة مصحوبة بشرح معناها واشتقاقها وطريقة نطقها وشواهد تبيّن مواضع استعمالها . أو هو كتاب يضم بين دفتيه أكبر عدد من مفردات اللغة مقرونة بشرحها، وتفسير معانيها، على أن تكون المواد مرتبة ترتيباً خاصا، إما على حروف الهجاء أو الموضوع...
2) مناهج صناعة المعاجم: وقد اختلفت مناهج اللغويين في إيراد أبواب المعجم وتألف أبوابه؛ فمنهم من اختار جمع المواد حسب الألفاظ مرتبا إياها ترتيبه الخاص، ومنهم من رأى جمع المواد حسب الموضوعات مبوبا لها حسب المعاني، وقد اختلفت طرق الترتيب لدى الطائفتين؛ فذهبت الطائفة الأولى إلى ترتيب الألفاظ على مخارج الحروف . أو على الحروف الهجائية ناظرة إلى الحرف الأول للفظة . أو الحرف الأخير لها وتجعله بابا والحرف الأول فصلا . وذهبت الطائفة الثانية إلى إيراد الألفاظ الخاصة بالموضوع المعقود له الباب . والاستشهاد بكل منها أو لبعضها أو إلى إيراد النصوص الشعرية الخاصة بالباب واستخراج الألفاظ وشرحها. فيمكن أن نستنتج أن للعلماء منهجين في ترتيب معاجمهم:
المنهج الأول: حسب المعاني: جمع مفردات اللغة وتصنيفها بالنظر إلى معانيها فيجمعون الكلمات التي تتعلّق بموضوع واحد في موضعٍ واحد؛ بحيث تكون تلك الكلمات المرتبطة بتلك العلاقة اللغوية مجموعةً في رسالة واحدة، وتُسمّى هذه المؤلفات التي تشتمل على هذه المفردات مـعاجم المعاني أو معاجم الموضوعات.
المنهج الثاني: حسب الألفاظ: جمع مفردات اللغة وتصنيفها بالنظر إلى ألفاظها، فتُرتّب الألفاظ اللغوية على ترتيبٍ معيّنٍ ينظر إلى الحروف التي تتكوّن منها، سواءً كان الترتيب مبنيّاً على الحرف الأول فالثاني، أم على الحرف الأخير فالأول، أم على أقصى حروف الكلمة مخرجاً ثمّ الذي يليه.
3) أهمية المعاجم: وكان الهدف العام من تأليف المعاجم العربية خاصة وكتب اللغة عموما هو حماية القرآن الكريم من اللحن في النطق أو الخطأ في الفهم، وحمايةُ اللغة العربية من أن يقترب منها دخيل لا ترضى عنه العربية، وصيانةُ هذه الثروة اللغوية والأدبية من الضياع بموت العلماء ومن يحتج بلغتهم، فاحتيج إلى حفظ الموضوعات بالكتاب والتدوين خشية اضمحلالها وما ينشأ عن ذلك من الجهل بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. ويمكن أن نستنتج أهمية المعاجم وفوائدها كما يلي:
 معرفة الضبط الصحيح للكلمة بحركاتها وتصريفاتها.
 الكشف عن معاني المفردات الغريبة والغامضة.
 معرفة أصل اللفظ، واشتقاقاته.
 التعرف على جميع دلالات اللفظ الواحد أو الألفاظ التي لها أكثر من دلالة فيجعلنا نتعرف على بعض الظواهر اللغوية، مثل: الاشتراك اللفظي والأضداد...
 معرفة الألفاظ الفصيحة، وتمييزها عن الألفاظ العامية.
 معرفة تاريخ اللفظ وتطور دلالاته، واستعمالاته.
 معرفة الألفاظ والكلمات القديمة التي هجرها الاستعمال.
 معرفة معنى الكلمة وهي مفردة، ومعناها في السياق مع مثيلاتها من الكلمات.
 معرفة بعض الشواهد اللغوية، والنحوية، والصرفية، والشواهد القرآنية والشعرية والنثرية وأصحابها.
 جعل اللغة قادرة على مواكبة العلوم والفنون، وذلك بإطلاق أسماء على المخترعات الجديدة من مخزون اللغة اللفظي؛ مثل: كلمة حـاسوب ومذياع، وهاتف، وطابعة وغيرها من الألفاظ الجديدة.
 المحافظة على سلامة اللغة وحمايتها من الاندثار.
وتجدر الإشارة إلى أن النشاط المعجميّ اتّسع بمختلف أشكاله في اللغة العربية في عصرنا الحاضر؛ فاتّسع على مستوى فردي، بجهود علماء ولغويِّين ومتخصّصين أمثال المنجد والمعجم والقاموس، وعلى مستوى المؤسسات في الأقطار العـربية، مثل مجامع اللـغة العـربية، ومراكز البحوث، والهيئات العلمية، والجامعات، وعلى مستوى قومي، مثل المنظمات العربية المتخصّصة، والاتحادات المهنية العربية.
وكل هذه المعاجم والهيئات والمؤسسات العلمية هدفها خدمة القرّاء وأعني بهم الطلّاب والكتّاب والأساتذة والمحامين والصحفيين والخطباء والوعاظ وأمثالهم، وبعبارة أخرى أولئك الذين يستخدمون اللغة في الكلام والكتابة، ويَمُدُّهم بمعلومات لغوية عن الكلمات والتعبيرات وعن معانيها واستعمالاتها ومجالاتها، وكذا التفريق بين صحيحها وخطئها وأفصحها...
كما أن الحاجة ماسة إلى استخدام المعجم في كل مراحل الدراسة؛ فالتلميذ الصغير تقابله كلمات صعبة كثيرة يقف أمامها حائرا، والمدرسُ كثيرا ما تصادفه كلمات غريبة تحتاج إلي البحث والكشف عن مدلولاتها المختلفة، وإن تحديد مفهوم الكلمة يساعد علي وضوح الفكرة المتضمنة في العبارة، ويؤدي ذلك إلى الفهم العلمي السليم الذي يدفع بالمعرفة خطوات إلي الأمام.

المبحث الثاني: أهمية الاستشهاد في الصناعة المعجمية:
لا عجب أن ينبهر الغربيون بهذا التفوق في مجال المعجم، وأن يشهدوا للعرب بالسبق والتميز، لكن مع العصر الحديث وتطور المعاجم عالمياً نجد أن معاجمنا أصابها الجمود؛ بحيث لم تعد تفي بالمواصفات الضرورية، أو تلبّي احتياجات الباحثين والطلبة وغيرهم، فكيف لنا أن نقوم بصناعة معجمية تتوافر على الوسائل التقنية الحديثة، وتكون قادرة على مواكبة العصر الذي نعيشه وعلى سدّ احتياجات المثقف العربي؟
كما تمثل الشواهد عنصرا هاما من عناصر المعجم، وذلك للإيضاح المعنى وشرحه، وإذا أردنا أن نوضح هذه المسألة في الصناعة المعجمية، فإنها كانت محط اهتمام ودراسة من لدن الباحثين في الشأن المعجمي، ففي مصادر هذه الشواهد يلاحظ أن العرب قد أخذوا الشواهد من كتابات العصر الذهبي للغة، أي شواهد عصر الاحتجاج، حيث كانت اللغة نقية برأيهم، وهذا لعدّة عوامل وأسباب أهمّها سالمة كلام العرب من اللحن وسلامته من العجمة . فهي الأساس الذي يقوم عليه المعجم العربي وصناعته، ويستوي فيها الشاذ والقليل والكثير.
وأشير إلى أن إن العلماء كلهم اتفقوا على أهمية الاستشهاد، إلّا أن اختلافهم يتمثل في موقفهم من الاستشهاد بالصيغ الصرفية والتراكيب النحوية، فأما المعجم فكان يعتمد على المعنى، وهو غير موضع للنزاع عندهم، لأن ما يتعلق بالشواهد في المعاني والبيان والبديع يُسْتَشْهَدُ عليها حتى بغير الموثوق بفصاحتهم، سواء أكانوا في عصر الاحتجاج أم في غيره، يقول صاحب خزانة الأدب:" علوم الأدب ستة: اللغة، والصرف، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، والثلاثة الأُوَلُ لا يُستشهد عليها إلا بكلام العرب، دون الثلاثة الأخيرة، فإنه يُستشهد فيها بكلام غيرهم من المولدين؛ لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم؛ إذ هو أمر راجع إلى العقل" . ويقول ابن جُني في الخصائص في معرضه عن الاستشهاد بشعر المتنبي:"...فإنَّ المعاني يتناهبها المولَّدون كما يتناهبها المتقدمون" . ويقول أيضاً في المحتسب:" فإن المعاني لا يرفعها تقدُّمٌ، ولا يُزْري بها تأخُّرٌ. فأما الألفاظ فلعمري أني هذا الموضع معتبر فيها، وأما المعاني ففائتة بأنفسها إلى مغرسها، وإذا جاز لأبي العباس أن يحتج بأبي تمام في اللغة كان الاحتجاج في المعاني بالمولَّد الآخر أشبه" .
فلا يكون المعجم مفيداً إلا إذا تضمن قدراً من الاستشهاد. وهذا القدر من الشواهد يتوقف على مستخدم المعجم والهدف الذي من أجله وضع، فيكون الاستشهاد كثيراً كلما ازداد عدد كلمات المعجم. وأكثر المعاجم حاجة إلى الاستشهاد الكثير هي المعاجم المتخصصة والمعجم اللغوي التاريخي، لأن مدلول اللفظة لا يكون واضحاً إلا بالشاهد أو الشواهد. ولا نستطيع معرفة التطور الدلالي إلا من خلال الشواهد. وهذه الشواهد ينبغي أن تكون منوعة شعراً ونثراً ومن عصور مختلفة ولأدباء وشعراء مشهورين ومغمورين .
ويمكن أن نستخلص أهميتها في النقاط التالية:
1- الشواهد المكوّن الأوّل في الصناعة المعجمية:
تعدّ الشواهد بكل أنواعها المادة الأساسية في صناعة المعجم أو بنائه، فلا نتصور معجما دون مادته الأولية، كما أن أول خطوة يخطوها صانع المعجم، هي جمع الشواهد، يقول عبد العلي الودغيري:"الخطوة الأولى التي يخطوها صانع القاموس اللغوي تحديدُ هدف كتابه وحجمه وجمعُ المادة التي يؤلف منها مدونته" .
فجمع مادة المعجم هي القاعدة الأولى التي يبني المعجمي معجمه عليها ففيها يحدد الأشخاص الذين سيفيدهم المعجم، وبناء على التحديد، يعين مصادر جمع مادته .
2- الاستدلال بها علـى استعمالية اللفظ المقـدّم في كلام العرب:
إذا وجدت لفظة في شاهد من الشواهد، فهي دليل على أن العرب تكلمت بها وأوردتها في كلامها، وأنه موجود في اللغة العربية، وهو من المستعمل، فإذا لم نجد لها شاهدا، فهي من المهمل، وهذا ما نجده في كثير من المواد في المعجم ويشير صاحبه بأنه مهمل، يقول ابن فارس:"المهمَل عَلَى ضربين: ضربٌ لا يجوز ائتلاف حروفه فِي كلام العرب بَتَّةً... والضرب الآخر مَا يجوز تألُّف حروفه، لكن العرب لَمْ تَقُل عَلَيْهِ، وذلك كإرادة مريد أن يقول (عضخ) فهذا يجوز تألُّفه وَلَيْسَ بالنافر، ألا تراهم قَدْ قالوا فِي الأحرف الثلاثة (خضع) لكن العرب لَمْ تقل عضخ... وأهل اللغة لَمْ يذكروا المهمل فِي أقسام الكلام، وإنما ذكروه فِي الأبنية المهملة الَّتِي لَمْ تَقل عَلَيْهَا العرب" .
ويظهر ذلك إذا تتبعنا بعض ما جاء في طيات معجم العين للخليل الذي امتاز بعقلية رياضية، وبراعة في الموسيقى والنغم. وخبرة واسعة بأمور اللغة ومشكلاتها. وقد صبّ كل خبراته هذه في معجمه الذي يعدّ أوّل معجم عرفته العرب. وأهم ما يميز هذا المعجم، أن مؤلفه لم يجمع مفرداته عن طريق استقراء ألفاظ اللغة، وتتبعها في مؤلفات السابقين، وجمعها من شفاه الرواة، وإنما جمعها بطريقة منطقية رياضية، وأمكن تقليب أماكن الحروف إلى جميع أوجهها الممكنة، ويكون الحاصل معجمًا يضم جميع كلمات اللغة من الناحية النظرية. ولكن لا توجد لغة تستخدم جميع إمكانياتها النظرية، ولهذا كان لا بد للخليل بعد الإحصاء النظري أن يميز بين المستعمل من هذه الصور والمهمل .
كما كان جلّ همّ أصحاب المعاجم ينحصر في تسجيل مفردات اللّغة العربية برمّتها، وكذا كان عليهم أن يبرهنوا على وجود المفردات النادرة التي يريدونها في معاجمهم، ومنهم من اعتمد كثرة الشواهد تأكيدا لصحة اللّغة والقواعد النّحوية أكثر من تأكيده على الاستخدامات الدلالية المتنوعة للمفردة .
3- الاستدلال بها على توضيح معاني الألفاظ أو أحد معانيه:
إن معاني الألفاظ التي تزخر به المعجمات ما هي إلّا معان مستقاة من الشواهد، ولا أدلّ على ذلك من أن صانع المعجم يأتي بالمداخل ويتلوها بمعنى اللفظ ليستشهد بعد ذلك على هذا المعنى من كلام العرب، فإذا تتبعنا معاني لفظة (الشاهد) في الشواهد المعجمية نجد أن هناك معان لغوية كثيرة من مادة (شهد) مستقاة سياقات تلك الشواهد، منها:
أ‌. الإقرار والاعتراف: في قوله تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ .
ب‌. الشهادة بمعنى الحكم: في قوله تعالى في سورة يوسف:وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا .
ت‌. الحضور ضد الغياب: في قول الله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه .
وقول الشاعر :
لَقَدْ طَرَقَتْنَا أُمُّ عُثْمَانَ بَعْدَ مَــــــــــــــا***هَوَى النَّجْمُ والسَّارِي إِلَيَّ حَبِيبُ
كَأَنِّي، وإِنْ كانَتْ شُهُوداً عَشِيرَتي***إِذَا غِبْتَ عَنّى يا عُثَيْمُ، غَرِيبُ
ث‌. الشاهد بمعنى المراقب للحدث: كما جاء في حديث النبي:«شَاهِدًاكَ أَوْ يَمِينُك» ، وقول جميل بن معمر :
فَسَلْ هَذي مَتَى تَقْـضي دُيوني***وهَلْ يَقْضـيكَ ذو العِلل المُطَوِّلِ
فَقالَ أَميرُنا هـــــــــــــاتُوا شُـــــــــــــهُـــوداً***فَقُـــــــــــــلْتُ شَهـيدُنا المأَلِكُ الجَــليلُ
ج‌. الشاهد الدليل والبرهان، والجمع شواهد: كقول محمود الورّاق :
إنّ العُـــــيون عَــــــلَى القُلوب شَوِاهدٌ***فَبَغِيضُهَا لــــــــــــكَ بَيِّنٌ وحَبِيبُها
ح‌. الشاهد بمعنى اللِّسان أو المَلَك: وقد جمعهما الأعشى في بيت واحد، فقال :
فَلَا تَحْسِبَنّي كَافِرًا لَكَ نِعَمَةً*** عَلَى شاهِدِي يَا شاهِدَ اللهِ فاشْهَدِ
خ‌. الشاهد بمعنى العالِم، وشهد عَلِم، ومنه قول الله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
نخلص إلى أن معاني لفظة الشاهد كلها مستقاة من الشواهد والتي اصلها كلام الله تعالى أو كلام النبي أو من توظيف العربي لها في كلامه. فلا يمكننا أن نأتي بالدلالات والمعاني ما لم نطالع هذه الشواهد، وهنا تظهر أهميتها بكونها سببا في توضيح المعاني. فمن أهمية الشواهد في الصناعة المعجمية أنها تكون دليلا على صحّة الألفاظ التي استعملها صاحب المعجم، وأنها تنتمي إلى لغة العرب المستشهد بهم . أو لهجة من لهجاتهم، يقول الجيلالي حلام:" كان يهدف أصحاب المعاجم إلى تحقيق عدّة وظائف من أبرزها تأكيد صحّة اللسان في عصر الرواية بخاصة، وضبط دلالة الكلمة وتأثيلها.
4- معرفة تطوّر دلالة الألفاظ العربية:
تعد اللغة كالكائن الحي، تحيا بحياة الناطقين بها، واللغة أيضاً ظاهرة اجتماعية، لذلك فهي تتطور وتتغير بفعل الزمن، مثلما يتطور الكائن الحي ويتغير، وتخضع لما يخضع لـه الكائن الحي في نشأته ونموه وتطوره. وتعيش بين أحضان المجتمع، وتستمد كيانها منه.والتطوّر الدلالي هو أحد جوانب التطور اللغوي، وميدانه الكلمات ومعانيها، ومعاني الكلمات لا تستقر على حال، بل هي في تغير مستمر لا يتوقف.
وتتبع تطور دلالات الألفاظ هي ميزة المعاجم التاريخية التي استقرأت الشواهد من خلال مستعمليها، وهم الشعراء والأعراب وغيرهم، فبهذه الشواهد نستطيع أن نعرف متى قيلت أو زمن استعمالها، وبالتالي نرصد تطورها وتغير معناها، أو البقاء على المعنى الأول، إلا أن هذا التطور يكون ببطء شديد، يقول المسدي في كتابه:" إن الحقيقة العلمية التي لا مراء فيها اليوم هي أن كل الألسنة البشرية ما دامت تتداول فإنها تتطور، ومفهوم التطور هنا لا يحمل شحنة معيارية لا إيجاباً ولا سلباً وإنما هو مأخوذ في معنى أنها تتغير إذ يطرأ على بعض أجزائها تبدل نسبي في الأصوات والتركيب من جهة ثم في الدلالة على وجه الخصوص ولكن هذا التغير هو من البطء بحيث يخفى عن الحس الفردي المباشر" .
ويمكن القول أن تغير الدلالة وتطورها حقيقة ثابتة لدى علماء اللغة المحدثين، ويشير هؤلاء العلماء إلى أشكال متعددة للتغير الدلالي، هذه الأشكال جديرة بأن ترصد حركة الدلالة في دورانها مع ألفاظ اللغة بمرور الزمن، وتعد هذه المظاهر أهم مقومات التي يقوم على عاتقها صناعة المعجم التاريخي، فالشواهد تمثل:" قلب المعجم التاريخي، فجميع مكونات مداخل المعجم تصدر عن الشواهد وترتكز عليها، فمن الشواهد نختار كلمات المداخل الرئيسة في المعجم التاريخي، ومن الشواهد نختار كلمات المداخل الفرعية ومن سياقات الشواهد نفهم معاني الألفاظ ونصوغ تعريفاتها، ومن العصور التي تنتمي إليها الشواهد نستدلّ على تطور اللغة وتاريخها" .
وقد بسط المسألة في هذا القضية الباحث ديرك جيرارتس‎ في كتابه "علم الدلالة المعجمي" والذي قام بترجمته فرق الترجمة لجامعة الأميرة نورة بنت الشاطئ والذي يعد من أهم المراجع العلمية المتخصصة في حقل اللسانيات بعامة وعلم الدلالة المعاصر بوجه خاص. قدم المؤلف ديرك جيرارتس فيه عرضاً تاريخياً وتقنياً موسعاً ودقيقاً لاتجاهات علم الدلالة الأساسية، وفق التسلسل الزمني بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر حتي عصر المؤلف مهتماً بالعلاقات النظرية والمنهجية بين تلك الاتجاهات.
وقد كانت هناك محاولات في إنشاء معجم تاريخي كباقي اللغات الفرنسية والألمانية والعبرية. ومن تلك المحاولات ما قام به أوجست فيشر في صناعة "المعجم اللغوي التاريخي"بمجمع اللغة العربية في الجمهورية العربية المتحدة بالقاهرة .
وهناك مشروع آخر في إنشاء "معجم تاريخي للمصطلحات القرآنية" تعمل عليه مؤسسة البحوث والدراسات العلمية وتُعرف اختصاراً (مبدع) إلى جانب معهد الدراسات المصطلحية، ومقرهما مدينة فاس في المملكة المغربية بإشراف الأستاذ الشيخ الشاهد محمد البوشيخي، المدير السابق لمعهد الدراسات المصطلحية، والأمين العام الحالي لهذه المؤسسة، وهو من المهتمين بعلم المصطلح عموماً، ومصطلح القرآن الكريم على وجه الخصوص .



المبحث الثالث. نظرة استشرافية للتعامل مع المعاجم والشواهد في ظل الاستراتيجيات الحديثة.
لقد أثرت التكنولوجيات الحديثة على كل مجالات الحياة؛ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية... ولم تكن الدراسات اللغوية والأدبية بدعا من تلك الثورة التكنولوجية، وقد ظهرت تخصصات عديدة مرتبطة بهذه الآلات الإلكترونية والحاسوبية؛ كاللسانيات الحاسوبية، والترجمة الآلية، والمعالجة الآلية للغة العربية، الذي يدخل فيها العديد من المجالات؛ منها: التحليل الصرفي الآلي، والتشكيل الآلي، والتحليل النحوي الآلي، والتعرف الضوئي على الحروف العربية، وتحديد مواضيع النصوص آليا،
وكانت المعاجم الحوسبية أو الحاسوبية، والإلكترونية في طليعة تلك التخصصات، أصبح معرفتها ضروري للبحث العلمي في الدراسات الأكاديمية، فظهرت بوابات إلكترونات، وتطبيقات في الأوندروا أو في الهواتف الذكية، وبرامج إلكترونية، و مواقع إلكترونية، تعالج الألفاظ والعبارات، وتشرح الكلمات
ومن تلك المواقع التي تقوم بالعديد من الخدمات للمستعمل أو الباحث أو طالب العلم؛ في الصناعة المعجمية نجد:
 موقع المعاجم (www.maajim.com/dictionary) أشهر قواميس اللغة العربية واللغات الأخرى: ويقوم بشرح الكلمات عربي من وإلى اللغة العربية، وفيه التصنيفات الأخرى للترجمة، وهي معجم عربي إنجليزي، ومعجم عربي إنجليزي، ومعجم عربي فرنسي، ومعجم عربي برتغالي، ومعجم عربي إسباني، ومعجم عربي نرويجي، ومعجم عربي ألماني، ومعجم عربي تركي، ومعجم عربي دنماركي.
 موقع المعاني (www.almaany.com): وهو قاموس شامل يحتوي على معاني الكلمات العربية ومعاني الجمل العربية ومصطلحات اجتماعية، ومصطلحات إدارية ومصطلحات إسلامية ومصطلحات، إعلامية ومصطلحات اقتصادية، ومصطلحات الإدارة ومصطلحات الأمم المتحدة ومصطلحات التسويق... بالإضافة إلى التعابير والتراكيب الشائعة ومعانيها الشائعة، تقدم له اللفظة المراد معرفة معناها أو ترجمتها، وهو يقوم بالبحث، وهو مقسم إلى العديد من الخدمات على الشكل التالي: المعاجم العربية، وقواميس عربي أجنبي، وترجمة سياقية، وكلمات القرآن، ومرادفات وأضداد، ومعاني الأسماء، وفوائد لغوية، وأقوال مأثورة، وسين جيم المعاني، وقواميس إنجليزية، وتحميل القواميس، وروابط.
 موقع الباحث العربي(www.baheth.info): يقدم الموقع خدمة البحث في أهم القواميس والمراجع اللغوية العربية. يحتوي الموقع على أكثر من 31.000 مادة وأكثر من 4.000.000 كلمة مجموعة من أهم المعاجم اللغوية المتوفرة في العالم العربي. وهي خدمة مجانية ولا تستدعي الاشتراك أو التسجبل. ولا تزال الخدمة قيد التطوير. ومن المعاجم التي يعمل عليه هذا الموقع: لسان العرب، وقاموس اللغة، الصحاح في اللغة، القاموس المحيط، العباب الزاخر.

خاتمة
ويمكن أن نستنتج ما جاء في هذا البحث ونتصور طريقة التعامل مع الشواهد في المعاجم في النقاط التالية:
 الإكثار من الشواهد على تنوعها: حتى نبرز المعنى الصحيح للفظة العربية أو المعاني.
 نسبتها إلى أصحابها: فتنسب الأبيات الشعرية لصاحبها، وكذا الأمثال والحكم والخطب والرسائل.
 ذكر زمن استعمل هذه الشواهد، وذلك بذكر زمن قوله أو تاريخ وفاة صاحبه حتى نعرف الفترة التي قيل فيها، وبالتالي معرفة الحياة الثقافية والاجتماعية للألفاظ.
 توظيف المصطلحات العلمية في المعاجم المتخصصة.
 التوثيق: وهو ذكر الموضع أو الكتاب ا والمصدر الي وجد فيه هذه الشواهد ليسهل الرجوع إليها.
 الاستعانة بالرموز والشفرات والإشارات في معالجة هذه الشواهد في المعاجم، لتخفيف حجم هذه المعاجم الكبرى.
 مواكبة التكنولوجيا واستعمالها فيما يخدم الشواهد في الصناعة المعجمية
 الاهتمام بالشكل الخارجي للشواهد: وذلك بالضبط الصحيح لكل الشواهد، وجعلها في موقع بارز في الوسط، أو بين قوسين أو بلون مختلف بالبنط العريض .




Lien :

Ajouté le: 25-02-19

No information

No information

No information

No information