University of M'sila |

Academic Staff

NameMailPhone Number
lachache abdelhalimabdelhalim.lachache@univ-msila.dz0664651501
laidi abdhalimfaroukabdelhalimfarouk.laidi@univ-msila.dz
abdelhamid.aliane ALIANE ABDELHAMIDabdelhamid.alyane@univ-msila.dz
abdelhamid عبدالحميد AMRANE عمرانabdelhamid.amrane@univ-msila.dz
BAA Abdelhamidabdelhamid.baa@univ-msila.dz
abdelhamid.belabas abdelhamid.belabas@univ-msila.dz
BERREHOUMA Abdelhamidabdelhamid.berrehouma@univ-msila.dz0770165192
شحام عبد الحميدabdelhamid.cheham@univ-msila.dz
guettouche abdelhamidabdelhamid.guettouche@univ-msila.dz0675173898
Kara Abdelhamidabdelhamid.kara@univ-msila.dz0663314392
abdelhamid tallababdelhamid.tallab@univ-msila.dz0673497058
عبدالقادر بلخيرabdelkader.belkheir@univ-msila.dz0559097520
CHERIEF Abdelkaderabdelkader.cherief@univ-msila.dz0561266814
Abdelkader Djeradabdelkader.djerad@univ-msila.dz0698289928
Abdelkader GASMIabdelkader.gasmi@univ-msila.dz0665045630
GHIDI ABDELKADERabdelkader.ghidi@univ-msila.dz0668850138
Hadji Abdelkaderabdelkader.hadji@univ-msila.dz0664217311
kasbaoui abdelkaderabdelkader.kasbaoui@univ-msila.dz
There are 1492 Teacher registered. ( 83 Page )
NameMailPhone Number
berrabeh afafberrabeh.afaf@univ-msila.dz
bouazid tayebbouazid.tayeb@univ-msila.dz
boudjelal nadjiaboudjelal.nadjia@univ-msila.dz
boukhalat djamelboukhalat.djamel@univ-msila.dz0557785011
Boulanouar Boudissaboulanouar.boudissa@univ-msila.dz0791833330
boussadia zohirboussadia.zohir@univ-msila.dz
zelafi brahimBrahim.zelafi@univ-msila.dz0697292427
hamouma chahrazadchahrazad.hamouma@univ-msila.dz
bounaas chaoukichaouki.bounaas@univ-msila.dz
chetouani norachetouani.nora@univ-msila.dz0771487476
chettouh khadrachettouh.khadra@univ-msila.dz
dalel omridalel.omri@univ-msila.dz
dehimi hakimdehimi.hakim@univ-msila.dz
lakehal dellouladelloula.lakehal@univ-msila.dz
derbali wahibaderbali.wahiba@univ-msila.dz
dif abdelmalekdif.abdelmalek@univ-msila.dz
dekki djellouldjelloul.dekki@univ-msila.dz
medjenah djameldjmel.medjenah@univ-msila.dz0665046085
Result : 200 Teacher.

braham, samir

Grade : MCA

Faculty : lettres et langues

Department : Lettre arabe

Speciality :

Address : cité 05 juillet- M'sila

Phone : 0664247405

Email : samir.braham@univ-msila.dz

International publication

مقال:إشكالية تعليم "اللغة" الأمازيغية
مجلة مقاربات

بالجزائر في ظل التنوع اللهجي.
مقدمة:
حققت الأمازيغية منذ تسعينيات القرن المنصرم إلى يومنا هذا الكثير من المكاسب والإنجازات لم يكن يحلم بها أكثر المطالبين بالاعتراف بها تفاءلا خاصة غداة استقلال البلاد، وانتهاج البلاد لسياسية التعريب، حيث تجاوز عدد التلاميذ في أقسام دراستها في السنوات الأخيرة 25 ألف تلميذ في 22 ولاية من ولايات الوطن، فضلا عن استعمالها في قنوات إذاعية وتلفزيونية وحتى وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية استحدثت شريطا للأخبار باللغة الأمازيغية. كمااستحدثت المحافظة السامية للأمازيغية للحفاظ لترقية هذه اللغة.
بالإضافة إلى ما سبق، تدرس في أربع أقسام للغة والثقافة الأمازيغية في كل من جامعات تيزي وزو (1990) بجاية (1991)، البويرة وباتنة(2010) تخرج منها أزيد من 5700 حائز على شهادة الليسانس فيما يقدر عدد الحاملين لشهادة الدكتوراه في هذا المجال حوالي 42 دكتورا. كما استحدثت مخابر بحث في اللغة والثقافة الأمازيغية في جامعات تيزي وزو وبجاية والبويرة.
بل وأكثر من ذلك، أصبحت الأمازيغية اليوم إلى جانب أختها اللغة العربية لغة وطني ورسمية بقوة الدستور، حيث اعترف دستور 1996 صراحة ولأول مرة في ديباجته بالأمازيغية كمكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية، وخضع دستور 1996 لتعديلين سنة 2002، نصّ التعديل الأول في المادة 03 على أن "اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية" في حين نصت المادة 03 مكرر على أن "تمازيغت هي كذلك لغة وطنية. تعمل الدولة لترقيتها وتطويرها بكل تنوعاتها المستعملة عبر التراب الوطني".
أما آخر تعديل دستوري في مارس 2016 فأكدت المادة 3 مكرر فيه أن تمازيغت هي كذلك لغة وطنية ورسمية. تعمل الدولة لترقيتها وتطويرها بكل تنوعاتها اللسانية المستعملة عبر التراب الوطني. ويحدث مجمع جزائري للغة الأمازيغية يوضع لدى رئيس الجمهورية. يستند المجمع إلى أشغال الخبراء، ويكلّف بتوفير الشروط اللازمة لترقية تمازيغت قصد تجسيد وضعها كلغة رسمية فيما بعد.
لكن، ورغم كل ما سلف ذكره من إنجازات لا ينكرها إلا جاحد، لا يزال تعليم الأمازيغية يواجه إلى يومنا هذا ورغم مرور أزيد من 20 سنة من إدراجها في المنظومة التربوية مشاكل جمّة كانت مطروحة قبل انطلاق هذه التجربة على غرار الحوامل البيداغوجية الملائمة، المناطق المعنية بهذا التعليم (شمولية التعليم أو اقتصاره على بعض المناطق المستعملة لإحدى تنوعاتها اللهجية)، تعلم اللغة فقط أو استعمالها في تدريس المواد العلمية الأخرى، طبيعة هذا التعليم (اختياري أو إلزامي)، تكوين الأساتذة، المناهج البيداغوجية الواجب اعتمادها، إشكالية اختيار الخط...إلخ. لكن، كيف يمكن تدريس لغة غير ممعيرة؟، الهدف من تدريس الأمازيغية، لكن، تبقى المشكلة الأكثر حساسية وخطورة تكمن في طبيعة الأمازيغية نفسها تطرح أكبر مشكل يبقى كيفية تدبير اللغة المعيارية في ظل التنوع اللهجي الكبير الذي تعرفه هذه "اللغة"، لك فأي أمازيغية يجب تدريسها؟ وما شروط معيرة اللغة المشتركة؟
1- (التنوع اللهجي الأمازيغي):
يشير كل من جيمس ميلروي وليسلي ميلروي إلى أن " التنوع في اللغة أو اللهجة وكذا التنوع عبر اللغات لم يكونا مركز الاهتمام في النظريات اللسانية المهيمنة لهذا القرن على غرار نظرية سوسور (Saussure) والمدرسة الأمريكية ومدرسة براغوالبنيوية ونظرية شومسكي. ومن نتائج ذلك أن التنظير اللساني ارتكز بشكل كبير على الأشكال المعيرّة (Standardized) للغات أكثر من الأشكال الأكثر تنوعا للحديث الطبيعي."
وفي ذات الصدد، يؤكد لويس جان كالفي "وجود ما بين 4000 و5000 لغة مختلفة وقرابة 150 بلد. مضيفا أن إن حسابا بسيطا يبين لنا بأنه من الوجهة النظرية هناك 30 لغة تقريبا لكل بلد، ولئن كان الواقع ليس تماما على هذا النحو (بعض البلدان تتوفر على عدد قليل من اللغات وبلدان أخرى على عدد أكبر منها)، فإن العالم مع ذلك يظل متعدد اللغات في كل الأمصار، والجماعات اللغوية تتعايش وتتضاد باستمرار. وهذا التعدد اللغوي يجعل اللغات دائما في احتكاك.
رغم أن مسألة التنوع اللغوي واللهجي في جلّ لغات العالم أصبحت تحظى بإجماع من طرف اللسانيين في ظل اللسانيات الحديثة، إلا أن هذه المسألة تكتسي طابعا حساسا جدا عندما يتعلق الأمر بالأمازيغية، فمن قائل إنهااللغة الليبية القديمة، وآخر يؤكد أنها لغة تحمل كل خصائص اللغة، ومنهم من يؤكد أنها لهجات وتكلمات يزيد عددها عن 4000 لهجة وتكلّم جهوي، وذهب بعضهم الآخر لاستعمال مصطلح لغات أمازيغية في إشارة إلى تعدد الأنظمة اللسانية الأمازيغية.
فمن جهة، يرى المدافعون عن وجود "لغة" أمازيغية واحدة أن الأبحاث العلمية التي قام بها فانتير دو بارادي (Venture de Paradis) خلال القرن الثامن عشر ونشرت سنة 1838 اعترفت بأن الشلحية والقبائلية لهجتان للغة واحدة.
وفي ذات الصدد، يؤكد سالم شاكر أن" المختصون القبائل في الدراسات الأمازيغية، مع بداية القرن،أشاروا في أعمالهم،وبشكل واضح إلى كل المنطقة الناطقة بالأمازيغية. فاللغة الأمازيغية واحدة،وكل لهجة ما هي إلا متغيرة جهوية لهذه اللغة.ولم يبق الوعي بالهوية الأمازيغية مقتصرا على المستوى الجهوي، بل تعداه ليصبح دفعة واحدة يشمل كل بلاد المغرب. فالأطروحة العلمية المتعلقة بالوحدة اللغوية للأمازيغية تم قبولها والتسليم بهاوإذاعتها مبكرا في منطقة القبائل".
مضيفا أنه " ورغم التشتت الجغرافي وغياب قطب تقييس ورغم قلة المبادلات (اللغوية) فإن المعطيات البنيوية الأساسية تبقى نفسها في كل مكان: إن درجة وحدة اللهجات البربرية (خاصة النحوية منها) مدهشة على نحو كبير بالنظر للمسافات الفاصلة بينها وكذا تقلبات التاريخ. تكاد تكون الاختلافات بينها دائما سطحية ولا تسمح بتمييز فرق واضح بين مختلف اللهجات".
ويتقاسم هذا الرأي بعض اللسانيين الفرنسيين أمثال على غرار جاك لانفري (Jacques Lanfry) الذي يشير بأن " وحدتها العميقة محسوسة لدرجة يمكن معها وضع قواعد لغة أساسية قابلة للتطبيق على كل هذه اللهجات". والشيء نفسه بالنسبة لهنري باسي(Henri basset) الذي يقول بأنه " إلى حد الآن، تكلمنا دوما عن لغة بربرية، كما لو كانت تشكل كلا متجانسا. بالتأكيد، حيثما تستعمل هذه اللغة، نجد نفس قواعد اللغة (Grammaire)؛ القوانين المورفولوجية ثابتة، والنحو لا يتغير. هذه القوانين، هي قوانين اللغات السامية، لكنها لغات سامية لم يكتمل تطورها حتى النهاية.
وعموما، تسلّم نظرية وحدة اللغة الأمازيغية بوجود تسلسل هرمي مكون من ثلاث مستويات جليّة الوضوح وعلى رأسها :
1-اللغة البربرية، وهي واحدة من حيث بنياتها الأساسية، وهي بدورها تتفرع إلى:
2-لهجات جهوية، تتطابق مع مناطق مباشرة للفهم اللساني المتبادل، عادة ما تحدد هويتها بتسمية داخلية وبالتالي تميّزها الذاكرة الجماعية بوضوح (القبائلية،الشلحية، تامازيغت...).
3-اللهجات المحلية، وهي تضم كل الاستعمالات الخاصة لوحدات قروية أو كنفدرالية (قبلية). وهي تتميز بخصوصيات صوتية ومعجمية وفي بعض الأحيان نحوية، لكن ذلك لا يؤثر أبدا الفهم المتبادل داخل المنطقة اللهجية نفسها، بل تسمح بتحديد الهُوية الجيولسانية المباشرة للمتكلمين بها".
ومن جهة أخرى، نجد جاك لانفري (Jacques Lanfry) الذي أقرّ سابقا بوجود وحدة عميقة محسوسة للأمازيغية يعود ليقول أن "اللغة البربرية غير موجودة حاليا، إلا على شكل لهجات محلية، و هذا حالها بدون شك منذ قرون عديدة. تنوعها يفرض على علماء اللسان إجراء العديد من الأبحاث اللسانية لاكتشاف كيفية تطور اللغة البربرية عبر مختلف العصور. إن هذه الأبحاث بعيدة عن الانتهاء، كما أنها لست متعمقة كفاية ".
يرى كمال نايت زراد أن " اللغة البربرية كانت مستعملة منذ آلاف السنين في كل أرجاء شمال أفريقيا، من المحيط الأطلسي حتى مصر. من المرجح أن الأمر كان يتعلق منذ ذلك الحين بلهجات محلية متشابهة بعضها ببعض بشكل كبير، لكن أوجه التباين تعمّقت فيما بينها مع مرور الزمن. ويكمن السبب الرئيسي لهذا التباين في شفويتها؛ نظرا لأن البربر لم يستعملوا قطّ لغتهم كناقل ثقافي أو كلغة عمل، إذ فرضت عليهم لغة الفاتحين بشكل دائم. لم تعرف أيّ من لهجاتهم المحلية السابقة الاعتراف الرسمي وتطور كل منها بشكل مستقل عن الأخرى، مما تولّد عنه بالتالي تشتت أكبر بينها".
لكن أندريه باسي يخالف هذا الرأي في كتابه "اللغة البربرية " حيث يشير بأن البربرية " ليست -كما يعتقد عادة وعلى نطاق واسع -لغة متفرعة إلى عدة لهجات يمكن لبعض الدراسات الموزعة بشكل عقلاني أن تيسّر الإلمام بها. بل هي مجموعة كبيرة للغاية من اللغات المحلية، تعتبر كل واحدة منها وسيلة تعبير لمجموعات اجتماعية جدّ محدودة العدد، تتكون من بضعة آلاف وفي بعض الأحيان لا يتعدى عددها مئات الأفراد؛ يكون استعمالها محصورا فيما بينهم، وفي بعض الأحيان في علاقاتهم مع الجماعات المتاخمة لها، ونادرا ما تستعمل للتواصل مع جماعات تفصلها عنها مسافات كبيرة. ينجم عن ذلك تشظي اللغة البربرية إلى عدد لا يعد ولا يحصى من اللهجات المحلية ربما ما بين 4000 و5000 لهجة".
وعلى صعيد آخر، نجد لسانيين آخرين أمثال ليونال غالون (Lionel Galand) وألفونس لوڤيل (AlphonseLEGUIL) عن لغات بربرية (بالجمع). وقد نحت الأعمال المكتوبة باللغة الإنجليزية هذا النحو من قبل مثل The berberlanguage لأبل غايت Applegate الصادر سنة 1970 كما الحال باللغتين الألمانية و الروسية عند آيخنپالد"Aïkhenvald" .
ربما توصل هؤلاء اللسانيون إلى هذه القناعة نظرا لأن "التارڤية واللهجات الأكثر بعدا عن المركز (في كل من ليبيا، مصر وموريتانيا) تنطوي على مجموع من المميزات اللسانية الخاصة التي يمكن أن تبرر اعتبارها أنظمة مستقلة وبالتالي «لغات" قائمة بذاتها. مع أن الأمر هنا يتعلق أيضا -كما هو الحال في أغلب الأحيان -بوجه خاص من أوجه الاستعمال أكثر منه اختلافات بنيوية حقيقية".
كما لا يفوتنا هنا التذكير بما قاله ليونال غالون حول استعمال مصطلحات "لغة"، "لهجات" و"لهجات محلية" إذ يترتب عن ذلك " إشكاليات عدة بالنسبة للباحثين البربر الذين يسعون جاهدين، الشيء الذي يمكن تفهمه، لتأكيد وحدة لغتهم والمطالبة باستفادتها من وضع اجتماعي وسياسي أفضل. لطالما حازت وحدة البربرية، كما أسلفنا الذكر، على الاعتراف ولا أحد من اعترض على ذلك، إن أي عالم لهجات يعلم جيدا أن الوحدة لا تتنافى مع التعدد وأنه يمكننا دراسة الأولى دون استثناء الثانية."
وخلاصة القول" إن عبارة "لغة بربرية" يكتنفها الغموض: فهي تشير إلى مجموع وقائع لغوية عوض نظام لساني (code) محدد البنية، وهي تنطبق في نفس الوقت على اللهجات المحلية الحديثة واللغة بربرية المشتركة المعاد بنائها والتي سماها كارل براس (K.G.Prasse) بـ Urberberisch أي بربرية أصلية (Protoberbère).
2- تاريخ تعليم "الأمازيغية" في الجزائر :
أ‌) قبل الاستقلال:
تم إدراج الأمازيغية في المؤسسات التعليمية في وقت مبكر، خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر بالمدرسة العليا للآداب في الجزائر العاصمة التي أصبحت تسمى فيما بعد بكلية الآدب فضلا على دار المعلمين (école normale) في بوزريعة بأعالي العاصمة، التي كانت تعتبر مشتلة المعلمين الجزائريين. استحدثت شهادة اللغة القبائلية سنة 1885 ثم دبلوم في "اللهجات البربرية" سنة 1887.
تكفلت دار المعلمين بالتنسيق مع الجامعة بتوفير تكوين في الأمازيغية لفائدة المعلمين الراغبين في الاستفادة من "المنحة الخاصة" الممنوحة للأساتذة أصحاب الكفاءة (المؤهلين) في البربرية (أو العربية). ومن جهتها، كوّنت كلية الآداب أجيال من الباحثين في البربرية إلى غاية الاستقلال، وقد ترأس كرسي الأستاذية بها روني باسي(René Basset) وأندريه باسي (André Basset) و أندريه بيكارد (André Picard)على التوالي.
وعرفت هذه المرحلة ظهور "العديد من الأعمال العلمية خلال الاحتلال الفرنسي بدراسة الأمازيغية، ويمكن أن نشير مؤلفات بوليفة (Méthode d’enseignement de la langue kabyle)، بن سديرة، بن خواص، هانوطو(Hanoteau)...مع نهاية القرن التاسع عشر، ثم مؤلفاتكل من رونيه وأندريه باسي، جون كروزيه (JeanCrouset)، فضلا عن أندريه بيكارد (André Picard)، أوستاف دوبون (Ostave Depont)، الخ، مع بداية القرن العشرين".
رغم ما سلف ذكره، يؤكد محند آكلي حدادو أنه "وعلى الرغم من كراسي الأستاذية المستحدثة على مستوى الجامعة أو العلاوات الممنوحة للموظفين الذين يتعلمون القبائلية، ولم يجر التفكير يوما في تدريسها بالمدارس أو أي نوع من الاستعمالات في إدارات المناطق الناطقة بالبربرية." كما أن هذه الدراسات كانت تتمحور حول اللهجة القبائلية بشكل أساسي.
والرأي نفسه يبديه ليونال غالون حين يشير بأنه " رغم أن فرنسا قد أعلنت استعدادها التام لتبني سياسة مؤيدة للبربر إلا أنها لم تطبقها إلا نادرا، وإذا كان لها الفضل في تأسيس وتطوير الدراسة العلمية للغتهم، فهي لم تفعل شيء يذكر لتوسيع استعمالها وضمان إصلاحها اللغوي." ولعل ذلك مردّه استعمال هذه الدراسة كوسيلة لخدمة سياستها الاستعمارية لا غير.
وفي السياق ذاته، يؤكد سالم شاكر الذي يرى أن " فرنسا استعملت وجود الأقليات البربرية بشكل منهجي لإنكار أي وجود لهوية وطنية في الجزائر. ولطالما بذلت قصارى جهدها لتوصيف البلاد على أنها فسيفساء من أعراق متناحرة، لم يقو حتى الدين على لمّ شملها. استعملت القضية البربرية منذ بداية الاستعمار استعمالا سياسيا. كرست العلوم الاستعمارية جزء لا يستهان به من مجهوداتها لتوضيح وتبيان كل ما من شأنه التمييز بين البربر والعرب ".
ب‌) بعد الاستقلال:
سهلت الوضعية سالفة الذكر من "عملية نبذ وإقصاء الأمازيغية من المؤسسات المغاربية عند الاستقلال. واعتبر مناضلو الحركة الوطنية الجزائرية والمغربية هذه الدراسات الأمازيغية كجانب من سياسة التفرقة الاستعمارية الهادفة إلى خلق مواجهة بين العرب والأمازيغ، ونددوا بذلك. وعند الاستقلال، وصل الضغط في هذا الميدان إلى درجة عالية، بما في ذلك لدى المثقفين باستثناء كاتب ياسين، بحيث لم يعد واردا، ولو لحظة واحدة، المحافظة على هذا القطاع في الأطر الجامعية كمادة علمية تتطرق إلى إحدى المكونات الموضوعية للواقع السوسيو-ثقافي لبلاد المغرب. وأول نتيجة لذلك ألغيت كراسي الأستاذية الخاصة بالأمازيغية في كل من المغرب والجزائر مباشرة بعد استقلالهما سنتي 1956و 1962.
لكن ذلك لم يمنع الراحل مولود معمري من تقديم دروس اختيارية في الأمازيغية خلال الفترة الممتدة بين 1965 و1973 في جامعة الجزائر، رغم أنه كان رسميا يدرس مقياس الإثنولوجيا، غير السلطات غضت عنه الطرف إلى غاية سنة 1973 حيث ألغت هذا المقياس بشكل نهائي.
وجدير بالذكر أن هذه الدروس التي ارتكزت بشكل أساسي على كتاب مولود معمري "النحو الأمازيغي" تاجرومثنتمازيغثTajarrumt n Tmazight)) الذي يعتبر أول محاولة لاستحداث لغة أمازيغية مشتركة، حيث لجأ إلى استعمال معجم اللهجة التارقية التي كان ينظر إليها أنها الأكثر نقاء، أو -بصيغة أخرى-الأقل تأثرا باللغة العربية وتم اعتماد القواعد النحوية للهجة القبائلية التي استفادت من دراسات الكثير من اللسانيين الفرنسيين وتلاميذهم.
لم يمنع حضر دروس مولود معمري، من انتشار الدروس السرية من طرف "تلاميذ" معمري في كل من منطقة القبائل والجزائر العاصمة الذين كونوا النواة الصلبة للحركة الجمعوية الأمازيغية التي ناضلت من أجل تعليم الأمازيغية، وقد كان جلّهم –إن لم نقل كلّهم-متأثرين بالتيار الفرنكوفوني، انتقل عدد لا بأس به إلى باريس ليكوّنوا قطبا علميا لدراسة اللغة الأمازيغية وثقافتها.
يجب انتظار الانفتاح السياسي الذي تمخض عن أحداث أكتوبر1988 لكي يتغير الوضع. وبعد مفاوضات ومشاورات طويلة، تم إنشاء قسم للغة الأمازيغية وثقافتها بتيزي وزو في نهاية 1990.هدف هذه الهيئة يتمثل في تحضير شهادة الماجستير (ما بعد التدرج) في الأمازيغية. سنة بعد ذلك (أكتوبر1991) تم إنشاء في ظروف صعبة قسم آخر للأمازيغية ببجاية.
وفي سنة 1995، عرفت منطقة القبائل إضرابا عاما عن الدارسة عُرف بإضراب المحافظ تمخض عنه قبول الحكومة آنذاك إدراج الأمازيغية خلال الموسم الدراسي 1995-1996 رغم انعدام المؤطرين، والمناهج البيداغوجية والوسائل المادية بشكل عام. فضلا عن عدم شمول هذا التعليم الاختياري كل مناطق الوطن، ولم يحدد حتى الخط الواجب استعماله لكتابتها أو ماهية اللغة المستعملة. لكن هذا القرار المتخذ آنذاك كان قرارا سياسا محضا يهدف لتفادي انزلاق الجزائر إلى صراع اثني يستغله أعداء الجزائر لضرب وحدتها في الصميم. وفي الفترة نفسها، تم فتح ليسانس في اللغة الأمازيغية وثقافتها على مستوى القسمين للأمازيغية، شهر أكتوبر 1996.
وبعد أكثر من 20 سنة من انطلاق تجربة تعليم الأمازيغية، بلغ عدد التلاميذ الذين يدرسون هذه اللغة خلال الموسم الدراسي 2015-2016 حسب الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية الدكتور الهاشمي عصاد شهر فبراير المنصرم 277176 تلميذ عبر 22 ولاية بعد أن كان عددهم في أول موسم دراسي لها 1995-1996 لا يتجاوز 37690 تلميذ عبر 16 ولاية فيما قفز عدد الأساتذة في نفس الفترة من 233 إلى 2101 أستاذ.
3- تدبير المعيار اللغوي المستعمل في تعليم "اللغة" الأمازيغية في ظل التنوع اللهجي:
يؤكد جون ليونز على وجود " فوائد تعليمية وإدارية واضحة في عالمنا المعاصر لتوحيد اللهجة الأساسية التي تستخدم في دولة معينة أو في منطقة معينة، وعملية التوحيد هذه حدثت خلال فترة طويلة في بلدان غربية كثيرة بتدخل من الحكومة أو بدون تدخل منها، وهو ما يحدث الآن بشكل متزايد في كثير من البلدان النامية في إفريقيا وآسيا كسياسة رسمية، ومشكلة اختيار لغة معينة أو لهجة معينة وتوحيدها وتدعيمها على حساب غيرها أمر محفوف المصاعب الاجتماعية والسياسية."
وفي السياق ذاته، يشير تمام حسان إلى أن " اتخاذ لغة مشتركة لأمة تتعدد فيها اللهجات ربما دعا إلى إيجاد صورة جديدة من الاستعمال تتجاوز اختلاف اللهجات. وقد تكون هذه الصورة المشتركة مبنية على إحدى اللهجات المهمة (كمال رأينا من دعوى البعض بالنسبة للهجة قريش)، ولكنها قد تكون محاولة مقصودة لخلق لغة جديدة يتمثل فيها الكثير من الخواص المشتركة بين عدد من اللهجات. وفي حالات أخرى يكون ذلك بواسطة الجهد والتعمد (كما في العبرية المعاصرة) ".
وفي إشارة واضحة إلى المعيرة المبنية على الجهد والتعمد، يقول الباحث عبد السلام خليفي أن " تدبير المعيار، الذي يمنح الوعي بمواطن الاختلاف والائتلاف، هو ما يمكن من تقليص حجم " اللهجنة "، ويوسع سلوكات التفاهم، ويمنح الفرصة لتحيين التواصل ولو في حدوده الكتابية. إذ عن طريق " توحيد " القواعد الإملائية، وتقعيد المطرد من البنيات المورفولوجية والتركيبية والمعجمية، يمكن لهذه اللغة من أن تقتسم نفس الأنساق اللسانية للنموذج الممعير، وللسلوكات اللسانية الأكثر انتشارا، كما أن استعمالها مؤسساتيا يمكن من " لحمنةhomogénéisation" المجموعات اللغوية الأمازيغية والوطنية بإحالتها على هذا المشترك، ويسهل عليها، بالتالي، امتلاك سجل لساني عابر للفروع.
أ)المعيرة على أساس لهجي:
يقوم هذا النوع من المعيرة على اختيار تنوع لهجي واحد لأسباب سياسية أو اقتصادية أو دينية أو لتوفر عاملين أو أكثر من العوامل السابقة واعتباره لغة معيارية وفرضه على مستعملي باقي التنوعات اللهجية. لكن، اختيار لهجة لتصبح المعيار –ليونال غالون-لا يمكن أن تكون في حالة البربرية، إلا قرارا نظريا محضا، غير قابل للتطبيق بسبب الوضع السياسي الراهن لأفريقيا. أما استحداث أو إعادة استحداث لغة بربرية مشتركة انطلاقا من مجموع اللهجات المحلية، سيكون أكثر طوباوية من الخيار الأول إذ لا يمكن أن يرقى ذلك لأكثر من لعبة يتسلى بها عالِم لسانيات لا أكثر."
ولعل ذلك يعود لعدة أسباب،بمن بينها "غياب " مأثور كتابي " تمخض عنه غياب لغة أم مثبتة الوجود ربما تكون قد خرجت من صلبها مختلف التنوعات اللهجية المعاصرة". فضلا عن ذلك، فالمسعى الخاص بانتقاء نوع لهجي كأساس استبعد مسبقا من قبل لسانيي المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وذلك لأسباب إيديولوجية. يجب أن تتطابق اللغة المعيارية مع الواقع السوسيولساني للبلاد. من الملاحظ أن تهيئة الأمازيغية تقع ضمن منظور اللغة العامة (Koïné) الإغريقية، أي لغة مبنية على مزيج من مختلف اللهجات.
بالإضافة إلى ذلك، تطرح مشكلة تركيز الدراسات اللسانية على بعض اللهجات الأمازيغية دون غيرها من اللهجات، ولعل ذلك مرده –حسب كمال نايت زرّاد- لأسباب تاريخية، تميزت الدراسات البربرية منذ القرن التاسع عشر بهيمنة الأبحاث الخاصة بمنطقة القبائل الغربية (القبائل الكبرى) سواء في الجامعة (من طرف باسي و بوليفة) أو من خلال بطاقيّة المراجع البربرية(Fichierde documentation Berbère) التي أسسها الآباء البيض سنة 1946 بلاربعا ناث إراثنْ... وقد استمرت هذه الوضعية بعد الاستقلال في منطقة القبائل أو في المهجر و ذلك إلى غاية وقت قريب نظرا لأن أغلب الفاعلين الجامعيين أو الناشطين الجمعويين أتوا من منطقة القبائل الغربية ( مولود معمري، سالم شاكر)".
ب- المعيرة بالتقارب:
قد ينظر البعض لهذه المسألة من زاوية العمل على جمع شتات الأمازيغية وصياغة قواعد جديدة، فهذا شيء مستحيل، ولا يمكن أن تتوحد هذه اللغات، فاللغة الافتراضية حلم لا يتحقق، ومجرد التفكير في مشروع يوحد مختلف الوضعيات اللسانية خرافة، كما أن رواد الفيلولوجيا يرفضون فكرة بعث اللغة الأم المنقرضة، لأنها شفاهية، ونسقها الصوتي غائب، فليس للأمازيغية نصوص قديمة لأن أهلها كانوا يستعملون لغات أخرى، بما فيها دولة ماسينيساويوبا الثاني.
ويرى محند ولحاج لصهب أن " السعي إلى وضع معيار موحّد يرتكز على صُهارة من الشظايا المتناثرة هو موقف شائع عند الأشخاص غير الضليعين وغير المطّلعين على لسانيات اللغة الأمازيغية. نعم، إن تثمين اللغة الأمازيغية عبر مدّها بمعيار أمر مشروع. لكن الاقتداء في ذلك بلغات أخرى مثل الفرنسية أو العربية الفصحى أو لغات أخرى ينّم من جهة عن جهل بمسار ومسلك هذه اللغات التي تملك إيديولوجيا تستند عليه، والتي لطالما احتقرت وتجاهلت التعددية والتنوعات الملازمة لكل نظام لساني. ومن جهة أخرى، الاستخفاف بالظروف الاجتماعية والتاريخية والجيوسياسية التي حفّزت ظهور هذه اللغات. فالأمازيغية لم تكن يوما لغة رسمية لمملكة أو سلالة حاكمة أو دولة، كما لم تلقى دعما من ديانة أو أية سلطة اقتصادية ذات نفوذ ".
لكن، يؤمن بعض اللسانيين بمبدأ التوحيد المعياري من خلال التقارب (Normalisationconvergente)، أي ضرورة معيرة كل تنوع لهجي على حدة أنه يجب أن وفي ذلك يشيرسالم شاكر "نقوم بعدد من التجارب وخاصة يجب أن تسجل على المدى الطويل. فإنشاء ووضع نمط أمازيغي مشترك لا يمكن أن ينظر إليه كهدف فوري، لأنه يجب تفادي إنشاء في الميدان الأمازيغي وضعية ديغلوسية كالتي نجدها في العربية الفصحى / العربية الدارجة، والتي سيترتب عنها مخالفة تماما الهدف المقصود، ألا وهي تطوير اللغة الأمازيغية وخاصة تعميمها. سيكون من الخطر إنشاء وحش معياري إضافي، " أمازيغية فصحى"، التي ستكون بالضرورة بعيدة جدا عن الاستعمالات الحقيقية، وهذا بحجة أنه يجب أن تكون لنا أيضا لغة " موحدة ".
ويضيف ذات الباحث بأنه لا يجب أن " ننسى بأن اللهجات الأمازيغية الحالية تتطور بصفة مستقلة عن بعضها البعض وتكون مجموعات سوسيو-لغوية متباينة منذ ما يناهز العشرة قرون! زيادة على هذا، فإن كل لهجة تنقل تقاليد ثقافية، وآداب خاصة بها. فوضع معيار لغوي أمازيغاني سيقطع مباشرة الناطقين بالأمازيغية عن تراثهم الثقافي وسيجعل من الأمازيغية "لغة خشب"جديدة، بدون قاعدة اجتماعية حقيقية وبدون ديناميكية ثقافية.
وقد لخص سالم شاكر قواعد الإجماع الممكنة بين المختصين في الدراسات الأمازيغية حول بعض التوجيهات الكبرى كما بلي:
- اللغة الأمازيغية واحدة، ولكن تنوعها اللغوي والسوسيو-لغوي يفرض علينا إدراج المتغيرة في تحديدنا للـ «معيار". وكل موقف متطرف في عملية التوحيد سيرفض حتما ولن يكون بإمكان أصحابه استعمال أية وسيلة لفرضه.
- لا يجب أن نضع بصفة اصطناعية لـ"معيار"للأمازيغية، بل يجب علينا الدفع بسيرورة التوحيد بالتقارب انطلاقا من اللهجات الفعلية، و هذا باعتماد استعمال كتابة مماثلة أو متعارضة، و حذف كل الخصوصيات الصوتية للهجات على مستوى الكتابة، و كذلك استخدام بصفة مشتركة للمفردات المولدة.
- يمكن ويجب قبول وتجربة حلول متنافسة، خاصة في ميدان المفردات والكتابة، بل حتى إدراجها ضمن الكفاءة السوسيو-لغوية للناطقين بالأمازيغية.
وفي ذات الصدد، يؤيد كارلكاستلانوس(Carles Castelanos)وجهة النظر نفسها حيث يؤكد أن " أيّ لغة هي عبارة عن تنوعونسق في نفس الوقت، إن اللغة المعيارية ليست سوى توليف بين العناصر النسقية المشتركة فوق اللهجية من جهة ومن جهة أخرى حصيلة عملية تحضير متمثلة في إتمام أو تحسين الإمكانيات التعبيريةالخاصة باللغة عبر مختلف متغيراتها ". ويقترح أن تكون معيرة اللغة الأمازيغية مرتكزة على تهيئة متقاربة للهجات المحلية الأساسية الخاصة بالمنطقة الشمالية الغربية (اللهجات الريفية، القبائلية، تامازيغث، والشلحية بشكل أساسي)، إن هذا الاقتراح الخاص بوضع لغة أمازيغية مشتركة تتم ضمن منظور(آفاق) إقامة فضاء مشترك للاتصال بوسعه أن يولّد نوع معياري يكون متعدد الأشكال ومحل فهم متبادل في نفس الوقت."
الخاتمة :
نخلص في الأخير إلى عدة نتائج، لعل أهمها:
- يجب تفادي الارتكاز على فرض تعليم لهجة واحد ومحاولة فرضها على كل الناطقين بالأمازيغية لأنها ستقابل بالرفض.
- يجب الأخذ بمبدأ تعليم كل لهجة في منطقتها خلال الابتدائية حتى لا يشعر التلميذ بانقطاع عن اللغة الأم المتداولة في البيت ثم استعمال لغة أمازيغية مشتركة.
- يجب تشجيع الباحثين على التوجه نحو اللسانيات التطبيقية بدل الاقتصار على الدراسات الوصفية.
- يجب تفادي تعليم لغة أمازيغية اصطناعيةوليدة مخابر البحث ومنقطعة عن واقع الاستعمال اللهجي.
الهوامش:


Lien :

Ajouté le: 23-02-19

National communication

عنوان المداخلة: دراسة التنوعات اللهجية الأمازيغية في الجنوب الجزائري وأهميتها في حفظ الأدب الشعبي الشفوي.
مقدمة:
تحظى الدراسات الخاصة بالتراث الشفوي بأهمية كبيرة في الدول الغربية على غرار فرنسا، وألمانيا، واليابان، والدول الاسكندينافية؛ نظرا لما تحمله من تاريخ وعادات وتقاليد تزيد من لحمة المجتمع وتماسكه، وقدرته على مقاومة العولمة الثقافية الأنجلوساكسونية . وهم لا يكتفون باستحضار الجانب الفولكلوري فيها، والاستفادة منها في استجلاب السياح الذي يدفعون بعجلة التنمية في قراهم وأريافهم، بل يستغلّونها في الدراسات الاستشرافية في المجال الاجتماعي بشكل خاص، لتسطير سياسات تُعنى برقي مجتمعاتهم؛ حيث إنهم يعتقدون – وهم محقون في ذلك - أنه لا يمكن فهم مسار تطور مجتمعاتهم في المستقبل، دون العودة إلى الماضي والوقوف على الموروث الثقافي الخاص بهم.
أما في الجزائر فلطالما ارتبطت دراسة التراث عند الأنتلجنسيا بشكل عام، وكذا المسؤولين على البحث العلمي بالدراسات الأنثروبولوجية الفرنسية وخلفياتها الاستعمارية مما أدى- كنتيجة لذلك- إلى هجرها واحتقارها دونما التحري عن فوائد دراستها بالنسبة لشعب عانى من قرن وثلاثين سنة من استعمار. أما من تسوّل له نفسه الحديث عن الأمازيغية كلغة أو لهجات أو ثقافة فكان يُصنّف في خانة الخائن، والعدو لثوابت الأمة، ومن دعاة الفتنة وتفتيت الوحدة الوطنية.
أمّا الآن، وقد اعترفت الدولة بالأمازيغية، إلى جانب الإسلام والعربية، كمكون أساسي للهُوية الجزائرية، لا يعني منطقة معينة في الجزائر، وتمّ الاعتراف باللغة الأمازيغية لغة وطنية ورسمية بقوة الدستور، فلم يبق على الباحثين في مجال اللغات وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا إلاّ جمع هذا التراث وتدوينه ودراسته. وهنا يحتل علم اللهجات مكانة متقدمة في البحث، خاصة بالنسبة للهجات الأمازيغية في جنوب الجزائر، لاسيما وأن بعضها يُحتضر، ويوشك على الاختفاء، بما يحمله من تراث ثقافي نفيس، ضاربة جذوره في عمق التاريخ.
ومن هذا التقديم يمكننا طرح الإشكالية التالية: ما أهمية دراسة اللهجات الأمازيغية دراسة لهجية في حفظ الأدب الشعبي الأمازيغي في الجنوب الجزائري؟
وقد اعتمدنا في ذلك على المنهج الوصفي التحليلي، من أجل فهم أفضل لهذه القضية الهامة ذات الأبعاد الثقافية، بل وحتى الاجتماعية.

1- النطاق الجغرافي للجنوب الجزائري:
لقد اختُلف في النطاق الجغرافي لجنوبنا الحبيب من حيث حدوده ومناطقه، ويرى العلامة أبو القاسم سعد الله أنه" ليس هناك حد فاصل ومصطلح متعارف عليه لمفهوم الجنوب في الجزائر؛ فقد يعني تارة الخط الذي يلي الأطلس الصحراوي. وبذلك تكون بسكرة وبوسعادة والمسيلة والأغواط والبيض وعين ماضي كلها جنوبية. وقد يعني فقط أرض الرمال، كالعرق الشرقي والعرق الغربي، فتكون سوف وتقرت وورقلة وشبكة ميزاب ومتليلي وتوات هي الخط الجنوبي. وإلى آخر القرن الماضي كان المقصود بالجنوب هذه الحدود والبلدان والواحات حيث النخيل والرمال والشمس المحرقة صيفا والبرد اللافح شتاء. ولكن منذ آخر القرن الماضي امتدت الحدود إلى بشار وتندوف ورقان وعين صالح والمنيعة وتمنراست وجانت. وأصبح الجنوب هو تلك المساحات الواسعة الشاسعة من الصحراء التي تشمل الهقار وسكانه الملثمين. ونحن نطلق كلمة الجنوب على كل المدن والقرى والواحات الواقعة وراء الأطلس الصحراوي والتي تمتد إلى حدود مالي والنيجر.
ويشير الباحث نفسه أنّ" هذه المنطقة من الوطن غنية بتراثها العلمي والديني، وغنية بعلمائها ومؤلفيها، وبزواياها ونظمها، وكذلك غنية بآثارها ومكتباتها، ولكن البحث في ذلك ما يزال ضعيفا، ولم يهتم بها إلا الأجانب، رحالة ومستكشفين، حكاما ودارسين، ومبشرين وجواسيس وتجارا".
2- تعريف اللهجة:
حتى نتعرف على اللهجة بصورة أوضح لابد من تعريفها لغة واصطلاحا، وقد عرفها القدماء والمحدثون على النحو التالي:
أ-لغة:
ورد في كتاب العين لصاحبه الخليل بن أحمد الفراهيدي أن اللهجة هي:"طرف اللّسان، ويقال جرْس الكلام، ويقال: فصيح اللهجة، وهي لغته التي جُبل عليها فاعتادها، ونشأ عليها".
أما ابن فارس فيقول في معجم مقاييس اللغة إن: "اللام والهاء والجيم: أصل صحيح يدل على المثابرة على الشيء وملازمته، والأصل الآخر دلّ على اختلاط في الأمر. يقال: لهج بالشيء: إذا أغري به وثابر عليه وهو لهج. وقولهم: هو فصيح اللهجة، واللهجة: اللسان بما ينطق به من الكلام، وسميت لهجة، لأنه كلٌّ يلهج بلغته وكلامه. والأصل الآخر قولهم: لهْوَجْتَ عليه أمره: إذا خَلطته".
ب-اصطلاحا:
يشير الأستاذ إبراهيم أنيس أن اللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث هي:" مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة. وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات. لكل منها خصائصها، ولكنها تشترك جميعا في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تيسّر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض...وتلك البيئة الشاملة التي تتألف من عدة لهجات، هي التي اصطلح على تسميتها باللغة. فالعلاقة بين اللغة واللهجة هي العلاقة بين العام والخاص. فاللغة تشتمل على عدة لهجات، لكل منها ما يميزها. وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغوية، والعادات الكلامية التي تؤلف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات".
بالنسبة لجون ديبوا Jean Dubois) ( فاللهجة هي:" نظام من الإشارات والقواعد التركيبية من نفس أصل نظام آخر يتم اعتباره لغة، لكنها لم تكتسب نفس الوضع الثقافي والاجتماعي لهذه اللغة التي تطورت بشكل مستقل عنها: عندما نقول أن البيكاردية لهجة فرنسية، هذا لا يعني أنها نتجت من تطور (أو بالأحرى من "تشوه") اللغة الفرنسية."
أما الأستاذ مبارك مبارك فيقول في معجمه المصطلحات اللسانية أن اللهجة هي:"اللغة التي يتفق عليها جماعة من الناس، ولها صفات خاصة بها تميّزها عن غيرها من الناحية الصوتية أو المفرداتية أو النحوية أو الصرفية، وقد تتطور هذه اللهجة لتصبح لغة مستقلة مع مرور الزمن، أو أن تندمج مع لهجات أخرى فتكوّن لغة قائمة بنفسها، كما جرى بين لهجات القبائل العربية التي اندمجت فيما بينها وكوّنت اللغة العربية التي يكتبها ويحكيها الناس في الأقطار العربية.
ولعل التعريفات سالفة الذكر تشترك في اعتبار اللهجة نظاما صوتيا ونحويا وصرفيا لا يختلف عن اللغة في شيء، فالظروف السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية هي التي تسمح لبعض اللهجات بالرقي إلى مصاف اللغات الممعيرة في حين تراوح أخرى مكانها بل وتنقسم على نفسها إلى لهجات تتباين مع مرور الزمن واتساع المساحة الجغرافية.
3- الأمازيغ في جنوب الجزائر:
يشير الباحث محمد شفيق بان مصطلح إمازيغن " في اللغة "الأمازيغية" جمع مفرده: أمازيغ، وهو الاسم الذي يسمي به بعض "البربر" أنفسهم. مؤنث أمازيغ هو تامازيغث. يطلق على المرأة وعلى اللغة. عند قبائل الطوارق المنتشرة في قلب الصحراء الكبرى، يسكّن حرف الزاي في "أمازيغ" ويقلب إما هاء، وإما شينا أو جيما. بحيث تنطق اللفظة "أماهغ" عند الطوارق الجزائريين، "أماشغ" عند الطوارق الماليين، و"أماجغ" عند الطوارق النيجيريين.
وقد ثبت استعمال هذه التسمية منذ القدم، ورغم استعمال المؤرخين الإغريق واللاتين صيغ مختلفة للإشارة إليها، إلاّ أنه يمكن دائما التعرف إليها؛ فقد استعمل هرودوت (Hérodote) وهيكاتيي (Hécatée) مصطلحي ماكزيس (Maxyes) ومازييس (Mazyes) على التوالي، فيما استعمل مؤرخون لاتين آخرون مصطلحات: مازاسيس (Mazaces)، مازيسيس(Mazices)، مازازيسيس (Mazazeces) أو مازاكس (Mazax).
ويمكنا تقسيم الأمازيغ في الجنوب الجزائري إلى ما يلي:
أ‌- بربر التخوم الصحراوية:
يرى عثمان الكعاك أن منهم البيض والسمر والسود، يعيشون في الواحات عيشة قرار ويتصلون بالسودان من ناحية، وبالسواحل من ناحية أخرى، على وجه الهجرة للعمل والتّرحال، لتسيير القوافل التجارية، فهم خط الصلة بين قلب الصحراء والوجه البحري، وهم المنظمون للقوافل الصحراوية البحرية منذ عهد الفينيقيين، فيتصلون ببرقة وطرابلس شرقا، وبالجزائر ووهران شمالا، ويؤسسون مشابك واحاتهم على العيون أو الأودية الظاهرة أو النقارات التي يحفرونها على العرق الكبير، ذلك النهر الباطني العظيم الذي يخترق جنوب الجزائر، وأهم مشابك واحاتهم، وادي سوف، ووادي ريغ، ووادي ميزاب، وورقلة (ورجلان). وقد ألفوا هناك منذ أقدم العصور دويلات مختلفة الشأن لاسيما بعد أن قضى العبيديون على دولة الرسميين .
ومن أهم دويلاتهم: دويلة بني جلاب بتقرت، وغالب مدنهم عواصم للآداب الإباضية بالبربرية أو بالعربية، فقد أنجبت ورقلة (ورجلان) علماء كثيرين، كما أنجبت ميزاب علماء يشار إليهم بالبنان أشهرهم الشيخ أطفيش رحمه الله. و يمتاز الميزابيون بالمشاركة بين النشاط العلمي، والنشاط التجاري في دائرة كبرى من عمان إلى زنجبار إلى مصر إلى أقصى المغرب.
ب‌- بربر الصحراء :
ينتهي ببربر الصحراء إلى بحيرة تشاد ونهر السنغال جنوبا، ويرتفعون شمالا قي صميم البلاد الجزائرية إلى الهقار، وعاصمته تمنراست عاصمة الطوارق الملثمين أسود الصحراء، وقبائل توات بعين صالح، وقبائل الفجيخ، وغالبهم يتبعون طرق معينة؛ أشهرها: التجانية وزاويتها الأم بعين ماضي، ولهم مدارس وعلم إسلامي منتشر، وهم حفظة الدين وناشروه بالصحراء.
4- اللهجات الأمازيغية في الجنوب:
يؤكد أندريه باسي (André Basset) على أن " الصحراء لا تملك وحدة لسانية ولا تشكل وحدة لا تتجزأ عن المناطق المحيطة بها...تتقاسمها لغتان بشكل أساسي: العربية والبربرية، وكلا اللغتين تعتبر لغات الأجناس البيضاء. نعرف حق المعرفة أن العربية دخلت المنطقة منذ القرن الثاني عشر كنتيجة للفتوحات التي انطلقت من شبه الجزيرة العربية. أما فيما يخص البربرية فإنها كانت أقل انتشارا جنوبا قبل ألفي سنة من يومنا هذا، لكنها انتشرت تدريجيا على حساب لغات أخرى انحسر استعمالها أو اندثرت، و لم يكن ذلك لكونها أداة حضارة أو بفضل حركية توسعية من قبل مستعمليها وإنما نظرا لعوامل سياسية طرأت في المناطق الشمالية المتوسطية."
تتنشر اللهجات الأمازيغية من الشرق إلى الغرب على النحو التالي:05 قرى بوادي ريغ، منتشرة حول تقرت، ورقلة ونقوسة، القرى السبع بوادي ميزاب؛ حيث سمح المذهب الإباضي بحماية اللغة. بالإضافة إلى سبعين "قصرا" صغيرا في منطقة قورارة، وقرية واحدة في تيديكلت بمنطقة تيط، وقصران بمنطقة توات، في كل من تيمنطيط وتيطاف.
فضلا عن ما سبق ذكره، يمكننا الإشارة إلى الطوارق الذين يعتبرون أكبر الجماعات الأمازيغية عددا وانتشارا، حيث يتوزعون على عدد من البلدان الواقعة ضمن المنطقة الصحراوية– الساحلية، خاصة النيجر ومالي فضلا عن صحراء الجزائر بتمنراست وجانت بشكل خاص فضلا عن ليبيا وبوركينافاسو وحتى فولتا العليا .



5- التباين بينها وبين اللهجات الشمالية وأسبابه:
يشير كمال نايت زراد أن الأمازيغية " كانت مستعملة منذ آلاف السنين في كل أرجاء شمال أفريقيا، من المحيط الأطلسي حتى مصر. من المرجح أن الأمر كان يتعلق منذ ذلك الحين بلهجات محلية متشابهة بعضها ببعض بشكل كبير، لكن أوجه التباين تعمّقت فيما بينها مع مرور الزمن".
وعن أسباب هذا التباين، يؤكد هنري باسي أن إن انقسام اللغة إلى لهجات:" لا مفر منه بالنسبة لأية لغة لا تملك أدبا مكتوبا، وتُستعمل في إقليم واسع جدا، كما لا توجد بين سكانه اتصال متواتر لا بدّ أن تتفرع إلى عدد مماثل للمجموعات التي تستعملها، مهما كانت الأسباب التي باعدت بينهم سواء كانت جغرافية، اقتصادية أو بشرية. ومع تعاقب القرون، تنزع هذه اللهجات للتميز بعضها عن البعض أكثر فأكثر، إلى أن يأتي يوم يمكن أن تتحقق فيه الوحدة اللسانية، إما في المجموعة كلها، أو داخل كل مجموعة فرعية إذا فات الأوان، وذلك بفضل حدثين لا بد من وقوعهما في تطور أي شعب من الشعوب تقريبا إن عاجلا أم أجلا: تأسيس وحدة سياسية وتكوين لغة أدبية . إن هذين الحدثين غالبا ما يترافقان، لكن لا يعتبر ذلك قاعدة مطلقة؛ و يعتبر الحدث الثاني بالخصوص هاما جدا. والحال أن، أيا من هذين الحدثين لم يتحقق عند للبربر.
وهذا ما يؤكده علي عبد الواحد وافي بقوله:" الخلاف بين اللهجات يبدأ من ناحيتين: إحداهما الناحية المتعلقة بالصوت، فتختلف الأصوات (الحروف) التي تتألف منها الكلمة الواحدة، وتختلف طريقة النطق بها تبعا لاختلاف اللهجات، والأخرى الناحية المتعلقة بدلالة المفردات، فتختلف معاني بعض الكلمات باختلاف الجماعات الناطقة بها. أما القواعد سواء في ذلك ما يتعلق منها بالبنية (المورفولوجيا) أو ما يتعلق بالتنظيم (السنتكس)، فلا ينالها في المبدأ كثير من التغيير..." أما هنري باسي فنجده يحصر أوجه التباين في:"الاختلافات التي تُسجل بين اللهجات(الأمازيغية) لا تتعلق أبدا -أو تقريبا - بقواعد اللغة، لكنها محصورة بالجانبين الصوتي والمعجمي.
لكن، أولا وقبل كل شيء، يجب التأكيد على أن توزيع اللهجات الأمازيغية في الجزائر بشكل عام" يتم على أساس جهوي أكثر منه اثني، مع استثناء المجموعة المسماة بالـ" الزناتية" لكن مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات المعتبرة التي تظهر بين لهجاتها في بعض الأحيان. يبدو أن قبيلة زناتة التي تعد من أكبر المجموعات البربرية تعتبر من بين آخر من وصل إلى بلاد البربر في المنطقة المتوسطية. ومثلهم مثل المجموعات (البربرية) الأخرى، لم يحافظوا على تماسكهم، واستقرت مختلف بطونهم في مناطق شتى بإفريقيا الصغرى (Afrique mineure)... وهي منتشرة في كل بلاد البربر، انطلاقا من جبل نفوسة في منطقة طرابلس إلى غاية منطقة الريف المغربي، مرورا بالأوراس، بني مناصر بمنطقة شرشال، الونشريس، فضلا على بعض المناطق الصغيرة، التجمعات) الناطقة بالبربرية على غرار منطقة الثنية، معسكر، وشمال الظهرة؛ يمتد ليشكل حداّ طويلا في الصحراء، حيث تستعمل "الزناتية" من قبل المقيمين في واحات ميزاب، وادي ريغ، ورقلة، قورارة توات وتيديكلت.
وكمثال عن أوجه الاختلاف بين اللهجات الأمازيغية من الناحية الصوتية، نجد إن اللهجات البربرية بشكل عام تنقسم بين لهجات انسيابية (القبائلية، الشاوية، الريفية ) وبين أخرى انفجارية (التارﭬية، الشلحية، الميزابية ...)...على النحو التالي:
القبائلية(انسيابية) الميزابية(انفجارية) الآهـڤارية(انفجارية)
إيذيسْ (جنب) إديسْ إيديسْ
آﯕرْ(إسرق) آكرْ آكرْ
آﯕرارْ(كبش) إيكْرارْ
آﯕالْ (تربة) أكالْ
6- عدم التوازن بين دراسات اللهجات الأمازيغية في الجزائر :
قبل التطرق إلى الدراسات الأمازيغية التي تـمّت قبل مرحلة الاستقلال، فإنه من المثير للاهتمام أن كل الدراسات التي تمت خلال هذه المرحلة لا تخلو من خلفية استعمارية بحتة حيث لا يجب أن ننسى بأن فرنسا " لطالما بذلت قصارى جهدها لتوصيف البلاد على أنها فسيفساء من أعراق متناحرة، لم يقوَ حتى الدين على لمّ شملها. استعملت القضية الأمازيغية منذ بداية الاستعمار استعمالا سياسيا. كرست العلوم الاستعمارية جزءا لا يستهان به من مجهوداتها، لتوضيح وتبيان كل ما من شأنه التمييز بين الأمازيغ والعرب.
إن أولى الدراسات التي عنيت بهذه اللهجات تعود إلى مرحلة ما قبل الاستعمار الفرنسي؛ حيث يمكن الإشارة إلى كتاب (Grammaire et dictionnaire abrégés de la langue berbére) لمؤلفه فانتير دو بارادي (Venture de Paradis) بين سنتي 1787-1788 ونشرت سنة 1838، مع العلم أن دو بارادي كان أستاذا للغة التركية بالمدرسة الملكية والخاصة باللغات الشرقية الحية، فضلا على توليه منصب السكرتير الأول للقائد الأعلى لجيش الشرق.
وشكلت نهاية القرن التاسع عشر بداية الدراسات المتّسمة بالجدية؛ حيث:" ظهرت بعض الدراسات الجامعية الخاصة ببعض المستمزغين (Berbérisants) بدراسة الأمازيغية بعضهم جزائريون، على غرار مؤلفات سعيدة بوليفة، بلقاسم بن سديرة، بن خواص... ثم مؤلفات كل من رونيه باسي وابنه أندريه (René &André Basset)، جون كروزيه (Jean Crouset)، فضلا عن أندريه بيكارد (André Picard)، أوستاف دوبون (Ostave Depont)... الخ، مع بداية القرن العشرين.
وقد عرفت العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين- والتي احتفل فيها المستعمِر بالنصر واستتباب الأمن- ازدهار موجة من انعدام الاحترافية في مجال اللسانيات، كما في مجالات علمية أخرى. فبعد إخضاع "الأهالي" لم يعودوا يشكلون أدنى خطر، وأضحى من هبّ ودبّ يكتب حولهم أو يتخذهم موضوع دراسة وبحث، ففي هذه المرحلة تعددت الفرضيات الأكثر غرابة فيما يخص انتماء اللغة الأمازيغية، فمن قائل إنها إغريقية، وآخر سلتية أو من اللغات المتوسطية...الخ.
أما المرحلة الممتدة حتى الاستقلال، فقد تميزت بدراسات متعمقة للهجات القبائلية (خاصة القبائل الوسطى) وكذا التارڤية فيما لم تحظ اللهجات الأخرى، خصوصا تلك المنتشرة في الواحات اللغوية "الزناتية" غرب وجنوب الجزائر إلا بدراسة سطحية... بقيت هذه الدراسات التي اضطلع بها جامعيون متمكنين وممحّصين؛ أمثال رونيه وأندريه باسي، بالرغم من ذلك متخلفة عن التيارات اللسانية المجدّدة الكبيرة في ذلك الحين، حيث لم تَنفذ المقاربات البنيوية (في الفونولوجيا وعلم النحو) إلى الدراسات الأمازيغية قبل استقلال الدول المغاربية.
يؤكد كمال نايت زراد أنه ونظرا:" لأسباب تاريخية، تميزت الدراسات البربرية منذ القرن التاسع عشر بهيمنة الأبحاث الخاصة بمنطقة القبائل الغربية (القبائل الكبرى) سواء في الجامعة (من طرف باسي و بوليفة) أو من خلال بطاقيّة المراجع البربرية(Fichier de documentation Berbère) التي أسسها الآباء البيض سنة 1946 بلاربعا ناث إراثنْ... بعد الاستقلال وقد استمرت هذه الوضعية في منطقة القبائل، أو في المهجر، وذلك إلى غاية وقت قريب؛ نظرا لأن أغلب الفاعلين الجامعيين أو الناشطين الجمعويين أتوا من منطقة القبائل الغربية ( مثل: مولود معمري، سالم شاكر)".
وفي السياق نفسه، يقول سالم شاكر إن البحث حول اللغة الأمازيغية وثقافتها " تميز ولمدة طويلة، بلاتوازن جهوي واضح. فبعض اللهجات، وبعض المناطق (قبائل جرجرة، آهاقار، سوس) كانت محل اهتمام قديم ومتواصل، ووصل في بعض الأحيان إلى درجة عميقة (آهاقار). بينما بقيت مناطق أخرى في الظل، وأحيانا كانت أراضي مجهولة (الأوراس، الميزاب، الريف، توارق الجنوب...).
وعموما يوجز أحمد بوكوس الأعمال المخصصة لدراسة اللهجات خلال هذه المرحلة وذلك بالاعتماد على بيبليوغرافيا أندري باسي، كالآتي :
أ‌) 28 عملا في اللسانيات مخصصا للقبائلية، منها 13 للهجات المحلية لآيت إيراثن وإيرجن.
ب‌) 23 دراسة تخص اللهجات المحلية بغرب ووسط الجزائر، منها 6 مخصصة للهجة بني سنوس، و5 للهجة بني مناصر.
ت‌) 22 عملا حول لهجات الشاوية، منها 10 مخصصة للهجات الأوراس.
ث‌) 14 دراسة مركزّة حول لهجات الجنوب، منها 6 مخصصة أساسا للهجات المزاب.
لكن، ومنذ عقدين من الزمن، بدأ الضوء ينير هذه "الحفر السوداء". ويعتبر هذا التطور الإيجابي نتيجة مباشرة للاتجاه المغاربي الذي مسّ ميدان الدراسات الأمازيغية. ونتج عن ذلك بروز جيل من الاختصاصيين "الأهالي" في الدراسات الأمازيغية، الرفع من عدد الاختصاصيين وتنوع ميادين البحث، وتغطية جغرافية أفضل للميدان الأمازيغي. وبدأت كل من القبائل الصغرى، ومنطقة الريف ومنطقة توارق الجنوب تعرف بشكل أفضل، وهذا بفضل تدخل اختصاصيين محليين في الدراسات الأمازيغية. لكن الإشكال الذي تزامن مع هذا "التحسن" هو مباشرة عملية التهيئة اللغوية للأمازيغية، بحيث همشت الدراسات اللهجية لصالح مجهودات استحداث لغة أمازيغية مشتركة.
7- الأدب والثقافة الأمازيغية:
يعتقد كثيرون من الباحثين ومن بينهم محند آكلي حدادو أن الأمازيغية:" لم تكن لغة حضارة، بل كانت لغة تكتب قديما كالألغاز، وطريقتها بدائية وغير صالحة، وكانت لا تصلح إلا لأدب شفهي فقير، وأصبحت على مرّ العصور لغة كلام، تكفي للمتطلبات المحدودة للريفيين الغير متطورين. أما اللاتينية فكانت تبدو كأداة عظيمة لأدب بديع ومنتشر عالميا، فهي لغة الصفوة في المدن الإفريقية، لغة الدواوين و الكنيسة، فهذا الدور بالذات كان سببا لإهمالها."
وذلك رغم إجماع البحّاثة المغاربة والأوربيين أن هذه اللغة:" تتوفر على كتابة خاصة بها منذ القدم. وهي فيما يقولون: " كتابة ذات طبيعة أبجدية صامتية. ويستعمل وجه من أوجهها في وقتنا الراهن لدى أمازيغيي المناطق الصحراوية-الطوارق-الذي يطلقون عليها تسمية "تيفيناغ". وبهذه الألفبائية تم تحرير المنقوشات القديمة التي تسمى " الليبيقية الأمازيغية " والتي اكتشف منها الكثير في أماكن متعددة من شمال أفريقيا بساحل حوض البحر الأبيض المتوسط، وبجنوب النيجر، وفي الجزر الكنارية، وإلى حدود مصر".
لكن الثابت أيضا أن:" متكلمي الأمازيغية " لم يكونوا قد وصلوا إلى درجة من الحضارة تمكنهم من تثبيت لغتهم في شكل أدب، فعلى الرغم مما عثر عليه من نقوش في الصحراء تثبت كتابة اللغة البربرية، لم يؤثر عن البربر أي كتابات أو مؤلفات ذات قيمة حتى عدة قرون من الظهور". بحسب شهادة أحمد مختار عمر .
وفي ذلك يقول العلامة عبد الرحمن الجيلالي:" وأما عن سير الأدب والعلم عندهم فإنني لم أقف على أدب بربري بالمعنى الصحيح، ولعل ذلك يرجع إلى اختلاف لهجاتهم وعدم ضبط قواعدها اللغوية ضبطا محكما أو لضيق لغتهم عن التعابير الفنية... وإن كل ما ظهر إلى الآن من المقطوعات الشعرية والنثرية لا يكفي عندي في الاستشهاد به على أدب أمة و ثقافة جيل عظيم كأمة البربر هذه".
وهكذا كان البربر إلى الفتح الإسلامي بدون لغة مشتركة وبدون حروف يكتبون بها أصواتهم، فبقوا يعيشون على لهجات عديدة على حسب قبائلهم ومواطنهم، وليس لهم لغة مكتوبة مشتركة... أي أنهم ظلوا إلى القرن الثامن الميلادي بدون تراث مكتوب بلغتهم أو لغاتهم. وكان أدباؤهم ومعلموهم يكتبون بلغة الدولة المتسلطة.
أ‌- الأدب المدوّن:
إن الأمازيغ الذين يملكون حروفا خاصة بهم منذ العصور القديمة لم يدونوا أعمالا كثيرة بلغتهم. على كل حال، إن الأعمال الأدبية التي كان يمكن أن تعلب دورا في ترقية اللغة البربرية، وتسهيل ظهور لغة مشتركة منعدمة، أو اختفت في حال وجدت أصلا. لكن، ورغم أنهم لم ينتجوا في لغتهم أعمالا أدبية كبيرة، إلا أنهم أنجزوها بلغات أخرى، بعضها يعتبر دررا أدبية عالمية.
ولعلّ تقسيم الأدب المدوّن يكون كالآتي:
1- الأدب الأمازيغي المكتوب باللاتينية:
يؤكد جروج مارسي أنه بالنسبة للأمازيغ:" لم تكن لغتهم لغة حضارة بل كانت لغة تكتب قديما كالألغاز وطريقتها بدائية وغير صالحة وكانت لا تصلح إلا لأدب شفهي فقير، وأصبحت على مر العصور لغة كلام تكفي للمتطلبات المحدودة للريفيين الغير متطورين. أما اللاتينية فكانت تبدو كأداة عظيمة لأدب بديع ومنتشر عالميا، فهي لغة الصفوة في المدن الإفريقية، لغة الدواوين والكنيسة، فهذا الدور بالذات كان سببا لإهمالها."
ولما حل الرومان بالجزائر " سعوا في نشر لغتهم وآدابهم بما أقاموه من المسارح والنوادي وما شادوه من المدارس الابتدائية والثانوية بالقرى والمدن. وكانت قرطة ومدوروش من أشهر المدن التي يؤمها طلبة التعليم الثانوي، و لكي تحمل روما على البربر لغتها جعلتها هي اللغة الرسمية ومنعت الكتابة بغيرها. و ذلك في القرن الثاني للميلاد . ومع حرص روما على تعميم لغتها و آدابها لما في ذلك من تثبيت سلطانها لم تر من البربر إقبالا يفي بحرصها... لكن الذين تعلموا اللاتينية صبغوها بصبغة وطنهم وغيروها عن أصلها. وكذلك دأب البربر في كل ما أخذوه عن غيرهم. وبذلك حافظوا على جنسهم، وابتلعوا الأمم التي احتلتهم وأرادت أن تبتلعهم وتكثر بهم سوادها. وهي مزية لا نعرف لسواهم من الأمم غير العرب".
ولعل من أهم الأدباء الأمازيغ الذين كتبوا باللاتينية تيرنس الإفريقي (Térence Afer) الذي ولد حوالي 190 قبل المسيح بنواحي قرطاجة؛ حيث اختطف واقتيد عبدا إلى روما، وهو يعتبر بالإضافة إلى بلوت (Plaute) رائد المسرح الهزلي اللاتيني. استوحى أعماله من الكوميديا الإغريقية، وأعاد تمثيل مسرحيات إغريقية؛ مثل: " المخصي" ، "جلاد نفسه" ، "زوجة الأب" وعرف كيف يضفي عليها طابعا خاصا به.
ويعتبر أبوليوس "َApulée" أحد أكبر الأدباء الذين كتبوا باللاتينية، وقد ولد سنة 125 ميلادية بمداوروش في الجزائر، وكان فخورا بأصوله الأمازيغية، وقد ألّف العشرات من المؤلفات، في النحو، الطب، الرياضيات، الفلك فضلا على روايات. فقدت أغلبية أعماله لكن بقي منها نصوص في الخطابة خاصة "المنافحة"وبالخصوص رواية "التحول" الذي يسمى أحيانا "الحمار الذهبي".
2- الأدب الأمازيغي المكتوب بالعربية:
يشير عثمان الكعاك أن "هذه اللغة (الأمازيغية) بقيت بعد الإسلام. وبعد إسلام البربر الذي حسن منذ القرن الأول، وعدلت في الغالب عن الخط اللوبي القديم وكتبت بالحرف العربي، كتبت به تصانيفها الدينية الإسلامية، وشعرها وحكاياتها ونوادرها ودرس المسلمون هذه اللغة العجيبة وصنفوا كتبا في المقارنة بينها وبين العربية والعبرانية، وألفوا معاجم لها وللعربية معا.
قامت الممالك الأمازيغية في بلاد المغرب وعلى غرار نظيرتها في المشرق بضم نخبة من المثقفين والأدباء وفقهاء الدين والشعراء والمؤرخين... وقد أغدق الملوك والولاة العطاء لمن يبدع منهم في بلاطه ولعل من بين من أبدع علي الحصري القيرواني في الشعر المتوفى سنة 1095، والذي كتب ديوان " المعشرات ومستحسن الأشعار" وديوان " اقتراح القريح واجتراح الجريح".
هناك أيضا ابن المعطي الزواوي الذي ينحدر من القبائل الكبرى، المتوفى سنة 1231. وقد ألّف الدّرة الألفية في علم العربية وهي منظومة جمعت علم النحو والصرف من بحرين هما: السريع والرجز: ويعدّ من أمهات الكتب في المغرب والمشرق. أما أشهر نحوي أمازيغي هو بدون شك ابن آجروم الصنهاجي الذي توفي سنة 1329م. وهو صاحب المقدمة النحوية الآجرومية، حفظتها عن ظهر قلب أجيال من طلبة العلم، كما انتشرت في ربوع العالم الإسلامي .
كما أبدع الأمازيغ في أدب الرحلة ، ويعد الإدرسي أحد أهمّ أعلامه المعروب بكتاب " نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" فضلا عن الرحالة الأمازيغي ابن بطوطة التي صاحب كتاب "الرحلة " الذي يعتبر وثيقة هامة حول العالم الإسلامي، خلال العصر الوسيط .
رغم أن الكثير من الباحثين اعتبروا هذا الأدب أدبا أمازيغيا، نظرا لكون من كتبوه أمازيغ، لكن ثمة من عدّه أدبا لاتينيا أو عربيا، وذلك ببساطة أنتجته نخبة متشبعة بالثقافتين اللاتينية والعربية، وهو في الوقت نفسه موجه للمثقفين بهذه الثقافات، لاتينا وعربا، فضلا عن نخبة صغيرة من الأمازيغ، لا تمثل ثقافة الأغلبية الساحقة من الأمازيغ المنتشرين في القرى والأرياف، كما أنه بعيد ليس عفويا، ولا يعكس الثقافة الأمازيغية بأمانة، كما يعكسه الأدب الشفوي.
ب- الأدب الأمازيغي الشفهي:
يؤكد حميد بوحبيب أنه يمكن القول أن:" المشافهة هي تقريبا سمة نوعية مؤسسة للثقافة الأمازيغية، صحيح أن أسلافنا أبدعوا حرف «التيفيناغ»، وهو الخط الأمازيغي الذي تُكتب به الأمازيغية، وهو من أقدم الخطوط. وهناك رأي يعيد «التيفيناغ» إلى القرن 15 قبل الميلاد، يعني أنه حرف موغل في القدم، ولكن للأسف لم نُبدع شيئا بهذا الحرف، كأننا ابتدعنا الحروف الأبجدية ولكن لم نسجل بها أشعارنا وحكاياتنا وقصصنا وأساطيرنا، على خلاف إخوتنا السومريين والأكاديين والكلدانيين والآشوريين والبابليين الذي أبدعوا الخط وكتبوا بالخط المسماري باللغة الأكادية مثلا «ملحمة غلغامش» التي تعود إلى 2700 قبل الميلاد، على خلاف الأمازيغ أبدعوا حرفا ولكنهم لم يتركوا لنا أو يخلفوا شيئا ذا بال في الكتابة، وأكثر من ذلك كأن ثمة لعنة تاريخية على هذا المجال، فمعظم المثقفين الأمازيغ الذين كتبوا عبر التاريخ كتبوا بلغة الآخر، لدينا أمازيغ كتبوا باللغة اللاتينية، وباللغة اليونانية، وباللغة العربية وهم كثر، ولكنهم لم يكتبوا في التيفيناغ الحرف الأمازيغي، فبقيت الثقافة الأمازيغية شفهية كما تفضلت.
وكثيرا ما كُتب وقِيل إن "البربر" لم ينشئوا قط ثقافة ذاتية يختصون بها .يعتبر هذا الحكم صائبا من له تصور تقليدي لمفهوم الثقافة؛ بحيث يجعله ينحصر في حيٌز المآثر الأدبية المكتوبة، ويعتبره غير صائب من له تصور شمولي أنثروبولوجي عصري لمفهوم الثقافة؛ بحيث يرى أن التقاليد الاجتماعية والاختيارات والنزعات السياسية، والفنون بمختلف أنواعها، كالمعمار والرقص والغناء، والأدب الشفوي المروي جيلا عن جيل، من شعر وقصص وأمثال سائرة، يرى أن ذلك كله ثقافة، بالإضافة إلى اللغة نفسها، بطبيعة الحال، وما تنفرد به من مميزات معجمية وصرفية ونحوية واشتقاقية. والواقع أن للأمازيغيين ثقافة خاصة بهم توارثوها عبر العصور منذ آلاف السنين، يصعب على الباحث أن يتتبع مراحل تطورها فيما يخص الجوانب المعتمدة للكتابة، لكنه يستطيع أن يشخص بسهولة كل الجوانب الأخرى، ولابد في هذا الصدد من التنبيه إلى أن الثقافة الأمازيغية لم تنحصر، منذ ما يقرب من ثلاثة آلاف عام، في ما هو خاص بهم متوارث عندهم.
أما سبب تقوقع ثقافتهم الذاتية فمزدوج، أو هو في الواقع سببان؛ أولهما هو نمط عيشهم المطبوع بالبداوة...وثانيهما أن لغتهم لم ينزل بها كتاب، فلم يخدمها دافع ديني قط، كما خدمت الدوافع الدينية العبرية والعربية، وبدرجة أدنى اليونانية واللاتينية. ..لكن هذه اللغة لها شعراؤها الذين يتغنون بها (إماريرن، واحدهم أمارير، وإمذيازن، واحدهم أمذياز)، ولها قصّاصها الذين يقصون على الأطفال أقاصيصهم، ما لم تدخل التلفزة البيوتات لتستحوذ على أذهان الأطفال، بما تحمله إليهم من صور ومن معلومات في لغات أخرى يعسر عليهم فهمها، ولها أمثالها التي يتمثل بها، ولها فصاحتها الخاصة بها. ولها ضعفها الذي لم يفارقها حتى اليوم رغم المحاولات، ألا وهو اعتمادها الشفويٌة.
لم يُقدّر التدوين من جراء ذلك إلا لعدد ضئيل من مآثرها الأدبية. أما الباقي فإنه ضاع في طيات النسيان، بعد أن ردده إثر نشأته جيل أو جيلان أو ثلاثة أجيال في أحسن الحالات، ومما دُوّن نذكر على سبيل المثال: شعر سيدي حمو السوسي المتعدد الأغراض، الذي يرجع عهده إلى القرن الثاني عشر الهجري (عمر أمرير) والشعر الديني التعليمي لمحمد أوزال من القرن الثالث عشره، وشعر السي موحند القبائلي من القرن التاسع عشر الميلادي (Les Isfra de si Mohand) وهو شعر ذو نفس فلسفي، وشعر تاوكَرات (Taougrat ) الملحمي من أوائل القرن العشرين، وعدد من القصائد المتفرقة لشعراء مختلفين من القرن العشرين أيضا. ومن كبار الشعراء الذين لهم صيت في الجهة التي ينتمون إليها نذكر سليمان عازم، وسليمان الشابي وفاطمة عمر آيت منصور، وموحند ومحاند والحاج رابح القبائليين، وعبد الرحمان ومسعود المتوكَي.
وعلى صعيد آخر، وبسبب انعدام ثقافة تقاليد كتابية عريقة جدا مثلما هو موجود في اللغة العربية منذ عصر التدوين، فإن اللغة الأمازيغية أضاعت كثيرا من مدوناتها القديمة وشعرها القديم، فما وصلنا موثقاً يعود في أحسن الأحوال إلى القرن الخامس عشر الميلادي. هل كان قبل ذلك للأمازيغ شعر وقصة وغير ذلك؟ أكيد، لأن الشعر لا يمكن أن ينشأ من عدم فجأة في القرن الخامس عشر. أكيد أن هنالك شعرا من قبل، ولكن لأنه كان شفويا لم يُدَون ولم يصلنا، الشعر الذي أتكلم عنه هو شعر الأفراد المعروف المؤلف، وهذا لم يصلنا.
والمدونات المكتوبة تعود في أحسن التقديرات إلى القرن الخامس عشر والسادس عشر. وقد جمع مولود معمري في كتابه «الشعر القبائلي القديم» نماذج من هذين القرنين، أما زملاؤنا ومواطنونا وإخوتنا في المغرب الشقيق، حيث لهجات مختلفة للأمازيغية بالشلحة والريفية، فلديهم أشعار أيضا، تعود للقرن الخامس عشر والسادس عشر. ما قبل ذلك ليس لدينا مدونات تعود إلى أزمنة سحيقة. وهذا على خلاف الأدب العربي، الذي حظي بالتدوين منذ بداية القرن السادس الميلادي أي في القرن الهجري الأول، وأولُ كتاب دُوِّن هو القرآن الكريم، ثم جاء عصر التدوين فتراكمت مدونات كثيرة جدا في الشعر العربي.
8- الدراسات اللهجية وحماية التراث الشفوي الأمازيغي في الجنوب الجزائري:
بداية، ينبغي أن نشير هنا إلى أن دراسة اللهجات دراسة علمية تعني بكل بساطة محاولة للكشف عن واقع لغة معينة في مجتمع معين، وتعرف ما أصابها من تغير أو تنوع، ومظاهر هذا أو ذاك، وربط هذه المظاهر بأسبابها والعوامل التي تولدت عنها. وهذا الكشف في حد ذاته عمل علمي مشروع، بل ضروري من الوجهة الثقافية والحضارية. ذلك أن البحث في اللغة بكل مظاهرها وبنياتها المختلفة بحث في الإنسان نفسه، إذ هي مرآته والمترجم الحقيقي لكل أنماط سلوكه، والمنبئ عن هويته وشخصيته.
وتكتسي الدراسات اللهجية أهمية خاصة بالنسبة للهجات الأمازيغية، ولا ننسى- يضيف سالم شاكر- بأن اللهجات الأمازيغية الحالية تتطور بصفة مستقلة عن بعضها البعض وتكون مجموعات سوسيو-لغوية متباينة منذ ما يناهز العشرة قرون! زيادة على هذا، فإن كل لهجة تنقل تقاليد ثقافية، وآداب خاصة بها.
وفي السياق ذاته، يؤكد سالم شاكر أن:" معظم العوامل القديمة المساعدة على المقاومة قد اختفت اليوم. فعلى اللغة الأمازيغية أن تغتنم في هذه الآونة (وفي العقود القادمة) فرصتها التاريخية الأخيرة: نكون أو لا نكون؟ هذا هو السؤال المطروح لدى الناطقين بالأمازيغية. فلغتهم وثقافتهم لم تعد الآن محمية من طرف الموقع الجغرافي ولا من طرف نمط تنظيمهم الاجتماعي التقليدي. فكل من النزوح الريفي الجماعي باتجاه المدن الناطقة بالعربية واختفاء خلايا وطرق الإنتاج التقليدية وعملية التمدرس الجماعي باللغة العربية والتأثير اليومي للراديو والتلفزيون يهاجمون وبقوة لم تعهدها الثقافة الأمازيغية من قبل. فحتى النساء حاميات اللغة والثقافة هن اليوم عرضة وبشكل مباشر لعملية الانجراف اللغوي.
وهذا رأي سالم زينية الذي يقول من جهته:"إن كانت اللغة الأمازيغية قد استطاعت أن تبقى محفوظة وعلى هامش التاريخ خلال آلاف السنين، فإن عصر الإعلام الآلي ووسائل الإعلام الإلكترونية أخلط المعادلة؛ حيث إن العولمة رافقتها التكنولوجيا التي لا تستثني أي بقعة من الأرض، مع العلم أن هذه التكنولوجيا تحمل معها حتما دعامة لغوية وثقافية تشكل تهديدا لعشرات اللغات التي تعدّ تراثا للإنسانية."
وتأخذ هذه الأهمية كل معناها عندما يتعلق الأمر بدراسة اللهجات الأمازيغية في الجنوب الجزائري التي – كما رأينا سابقا- لم تحظ باهتمام كبير، كما هو حال اللهجات الأمازيغية الشمالية، فدراستها لهجيا يحافظ بالضرورة على وجود هذه اللهجات وفي الوقت نفسه على التراث الذي تحمله؛ لأن هذه الدراسات ستعتمد بالضرورة على مدونات المنطقة من حكايات شعبية وألغاز وحكايات خرافية، فاختفاء اللهجات يعرض التراث الأمازيغي في جنوب الجزائر للاختفاء.
والأدب الشفهي بشكل عام هو أدب منبثق عن روح الشعب وأحاسيسه. قد تكون الصياغة فيه بدائية لكن الصور والمعاني جميلة. هذا الأدب في صفوته غني بصوره، بنكاته، بدعابته، بأمثاله وأقاصيصه وخرافاته، وهو ذخيرة ضائعة ومن الحمق أن يظل جوهره في التراب. . وتعتبر اللهجة دعامته اللغوية.
إذا كان جمع مادة علم من العلوم أو فن من الفنون وإخراجها إلى عموم الباحثين والمهتمين، عمل له قيمته المعرفية، باعتباره مرحلة أولية لابد منها في مسار أي بحث من البحوث العلمية، فإن هذا العمل تتضاعف قيمته العلمية كلما تعلق الأمر بالثقافات الشفهية التي يكون تراثها معرضا أكثر للاندثار والزوال، إذ تصبح عملية جمع هذا التراث وتوثيقه ونشره من أولى الأولويات، وتغدو وسيلة وهدفا في الآن نفسه. وعلى صعيد آخر، يرى أنيس فريحة أن أول خطوة لدراسة اللهجة يكمن في اعتراف الباحث أنها لغة قائمة بذاتها لها نظامها الصوتي ونظامها المقطعي ولها صرفها ولها نحوها. ولها معجمها وبيانها وأدبها. فيما تكمن الخطوة الثانية في جمع المادة اللغوية، ويتطلب ذلك توفر مخبر (informateur): يجب أن يكون خير مثال على صفاء اللهجة. وخير من يمثل هذه اللهجة أبناء القرية أنفسهم رجالا ونساء وولدانا، وعلى دارس اللهجة أن يكسب ثقة المخبر. فإن وجود غريب في القرية يصحب آلة تسجيل ويرغب في تسجيل كلامهم مثار للشك والتساؤل. عليه أن يوضح لهم الغاية من تسجيل كلامهم، وعليه أن يفهمهم أن التسجيل يجب أن يكون طبيعيا فلا تكلف ولا تعمد ولا حذلقة.
ونرى أنه من الأفضل تطوع أبناء المناطق المعنية بالدراسة للقيام بعملية التسجيل لكسب ثقة المخبر وكذا اختيار مخبرين من بين النساء اللائي لم يختلطن بشكل كبير مع مستعملي اللغة العربية بفصيحها ودارجاتها، على اعتبار أن أغلبية الرجال اضطروا للحلّ والترحال لأسباب اقتصادية بشكل خاص، وتأثرت بالتالي لغتهم بالعربية بدرجات مختلفة.
ثم تأتي مرحلة جمع المادة، وقد تكون هذه الأخيرة أحاديث وأقاصيص وأشعارا عامية وخرافات ومعتقدات وعادات. وقد يترك المسجل للمخبر أو المخبرين، وقد يقترح عليهم الموضوع. ويحسن بالمسجل أن يجري امتحانا قبل التسجيل، ليرى أن الحديث طبيعي لا تكلّف فيه ولا تصنع. على أن يكون أسلوب جمع المادة هو التسجيل الآلي... الآلة الحديثة فإنها تعيد الصوت كما يتلفظ به المخبر وبكل دقة وضبط.أما الخطوة الثالثة فتكمن في: دراسة اللهجة دراسة استقرائية وصفية تقريرية، بناء على ما يتجمع عند الدارس من مادة سجلها أو جمعها بطريقته الخاصة. ويحسن أن تكون دراسة اللهجة على مراتب: الصوت ، ومرتبة الصرف ومرتبة التركيب أو النحو.
الخاتمة:
نخلص في نهاية هذه الورقة البحثية إلى عدة نتائج:
- عملية البحث عن التراث الأمازيغي يساهم في تدعيم أحد عناصر الهوية الجزائرية، ألا وهو الأمازيغية، خاصة وأن هذه الأخيرة منتشرة عبر ربوع الوطن وليست مقتصرة على جهة واحدة مما يعزز الوحدة الوطنية.
- عانت اللهجات الأمازيغية في جنوب الجزائر من التمييز، ولم تأخذ حقها من الدرس اللهجي منذ الاستعمار الفرنسي إلى يومنا هذا.
- تساهم الدراسات اللهجية في حفظ اللهجات، وبالتالي التراث الذي تحمله، وتعتبر دعامته اللغوية.
- يعبر الأدب الشفهي الأمازيغي بحق عن ثقافة السكان، أمّا ذلك المدون باللاتينية أو العربية لا يمكن اعتباره أدبا أمازيغيا.
كما نوصي باتخاذ إجراءات سريعة لحماية الأدب الشعبي في الجنوب الجزائري، لعل من أهمها:
- ضرورة جرد كل الدراسات اللهجية التي عنيت بلهجات أمازيغية في جنوب الجزائر قديما ودراستها على ضوء مستجدات الدرس اللهجي المعاصر والاستفادة بشكل خاص من مدوناتها سواء تعلق الأمر بالشعر أو الحكايات الشعبية أو الألغاز والأمثال الشعبية.
- ضرورة مباشرة دراسات لهجية جديدة مع أعطاء الأولوية لتلك المهدد بالاندثار خاصة في القصور ذات الكثافة السكانية الضعيفة أو تلك القريبة من المدن التي تقطنها أغلبية ناطقة باللغة العربية.
الهوامش:


Lien :
http://www.hcla.dz/wp/wp-content/uploads/2017/04/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D8%BA%D9%8A-%D8%AC.2.pdf

Ajouté le: 23-02-19

International publication

عنوان المقال: إشكالية العلاقة بين اللغة الليبية القديمة واللهجات الأمازيغية المعاصرة في شمال إفريقيا.
ملخص:
أثارت العلاقة بين اللغة الليبية القديمة المندثرة واللهجات الأمازيغية المعاصرة ولا تزال جدلا بين الباحثين الأنثربولوجيين والفقهاء اللغويين منذ أزيد من قرن من الزمن بين من يعتقدون بوجود علاقة الأصل بالفرع بينها وبين من يرى فيها لغات مختلفة تعايشت واحتكت في بلاد المغرب. وإذ قضت اللغة الليبية نحبها مذذاك، استمرت اللهجات الأمازيغية وتطورت بشكل مستقل لتصل إلينا بالشكل الذي نعرفها اليوم. ولعل من أشعل فتيل هذا الجدل من جديد الأبحاث اللغوية الخاصة بتهيئة لغة أمازيغية جديدة انطلاقا من اللهجات المنتشرة شمال إفريقيا، حيث طرح التساؤل حول حقيقة وجود لغة أمازيغية مشتركة استعملت قديما تؤكد على الأقل وحدة هذه اللهجات أو بالعكس انتفاء هذه العلاقة واعتبارها محض تكهنات لا ترتكز على أسس علمية، ودار نقاش حول إمكانية الاستفادة من الدراسات الخاصة باللغة الليبية في عملية تهيئة اللغة الأمازيغية وتوحيدها .
الكلمات المفتاحية: اللغة الليبية- اللهجات الأمازيغية – اللغة المشتركة – التهيئة اللغوية.

Le résumé :
La relation entre la langue libyque disparue et les dialectes amazighes contemporains n’ont fini pas de susciter la controverse entre les anthropologues et les linguistes depuis plus d’un siècle entre ceux qui croient en l’existence d’une relation organique entre les deux, et ceux qui au contraire affirment qu’il s’agit de langues différentes qui ont cohabité dans le Maghreb. Malgré la disparition du libyque, les dialectes amazigh ont persisté et évolué d’une façon indépendante sous la forme que nous connaissons aujourd’hui. Les études linguistiques relatives à l’ménagement linguistique de la langue amazigh à partir des dialectes ont à nouveau ravivé la controverse, car la question à été posée quant à l’existence autrefois d’une langue amazigh commune qui confirmerait au moins l’unité de ces dialectes ou au contraire, considérer cette relation comme le fruit de spéculation non fondée sur des bases scientifiques. Les débats se sont tournés vers la possibilité d’exploiter au mieux les études relatives au libyque dans l’aménagement de la langue amazigh.
Les mots clés : le libyque – les dialectes amazighs- la langue commune – l’aménagement linguistique.












إشكالية العلاقة بين اللغة الليبية القديمة واللهجات الأمازيغية المعاصرة في شمال إفريقيا.
لطالما اكتنف البحث في مجال اللهجات الأمازيغية الكثير من اللغط والتضارب في الآراء التاريخية واللغوية نظرا لاختلاف المرجعيات والخلفيات الكامنة وراء كل نظرية تعنى بهذه اللهجات سواء تعلق الأمر بأصلها أو تاريخ ظهورها أو ماهيتها ، وكذا أصل المتكلمين بها وحتى علاقة بعضها ببعض. ولعل من أهم هذه الإشكاليات حقيقة وجود علاقة بين هذه اللهجات الأمازيغية المعاصرة وبين اللغة الليبية القديمة من عدمها. وتحديدا يطرح السؤال حول العلاقة بينها هل هي علاقة الأصل بالفروع ؟ وبصياغة أخرى، هل اللغة الليبية القديمة هي نفسها اللغة الأمازيغية التي تفرع منها كل هذه اللهجات المنتشرة في ربوع شمال إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي قبل أن تختفي فيما بعد. أو يتعلق الأمر بلغة أخرى موغلة في القدم أو احتمال نسبتها إلى لغات أخرى كما ذهب إلى ذلك بعض المؤرخين حيث رجح بعضهم أن تكون لغة تنتمي لفصيلة اللغات السامية مثل العربية أو فصيلة اللغات الحامية على غرار القبطية.
1- نشأة اللهجات:
لا يمكن أن نتطرق إلى نشأة اللهجات دون التطرق إلى ماهيتها ولو اصطلاحا، وفي ذلك يشير الأستاذ إبراهيم أنيس أن اللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث هي" مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة. وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات. لكل منها خصائصها، ولكنها تشترك جميعا في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تيسّر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض...وتلك البيئة الشاملة التي تتألف من عدة لهجات، هي التي اصطلح على تسميتها باللغة. فالعلاقة بين اللغة واللهجة هي العلاقة بين العام والخاص. فاللغة تشتمل على عدة لهجات، لكل منها ما يميزها. وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغوية، والعادات الكلامية التي تؤلف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات".
وفي السياق نفسه، يضيف اللغوي ذاته أنه تبعا لذلك ظهرت تلك العلاقة الوطيدة والجلية بين اللهجة التي ظلت مهمشة واللغة التي نالت كل الاهتمام ، ذلك أن العلاقة بين اللغة واللهجة هي علاقة بين العام والخاص . فاللغة تشتمل عادة على عدة لهجات، لكل منها ما يميزها. وجميع هذه اللهجات يشترك في مجموعة من الصفات اللغوية والعادات الكلامية التي تؤلف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات .
ويرى عبد الغفار حامد هلال أن العلماء وصلوا في أمر توحد وانقسام اللغات إلى نتائج ذات قيمة علمية كبيرة، " فاللغات – متأثرة بحتمية العوامل الطبيعية والاجتماعية والثقافية – تميل إلى الانقسام أكثر من التوحد وهذا رأي بعض اللغويين، وهو اتجاه تؤيده، الدلائل الواقعية، فاللغات – منذ آدم عليه السلام – يتوالى عليها الانقسام بعد التوحد، وهي على هذه الحال في شتى بقاع الأرض إلى اليوم، ولم تستمر – حتى الآن-لغة واحدة على طبيعتها دون تفرق إلى لهجات.
وهذا ما يؤكده جون ديبوا حين يقول أن اللغة ما " تتشعب إلى لهجات عندما تأخذ حسب الأماكن التي تستعمل فيها أشكالا متمايزة فيما بينها بشكل جلي؛ ويفترض مفهوم تشعب اللغة وجود وحدة سابقة للغة المعنية على الأقل بشكل نسبي."
وعموما هناك عاملان رئيسيان يعزى إليهما تكوّن اللهجات في العالم، وهما:
(أ‌) الانعزال بين بيئات الشعب الواحد.
(ب‌) الصراع اللغوي نتيجة غزو أو هجرات.
وقد شهد التاريخ نشوء عدة لغات مستقلة للغة الواحدة، نتيجة أحد هذين العاملين أو كليهما معا.
فحين نتصور لغة من اللغات قد اتسعت رقعتها، وفصل بين أجزاء أراضيها عوامل جغرافية، أو اجتماعية، نستطيع الحكم على إمكان تشعب هذه اللغة الواحدة إلى لهجات عدة. فقد تفصل جبال أو أنهار أو صحاري أو نحو ذلك، بين بيئات اللغة الواحدة. ويترتب على هذا الانفصال قلة احتكاك أبناء الشعب الواحد بعضهم ببعض، أو انعزالهم بعضهم عن بعض، ويتبع هذا أن تتكون مجاميع صغيرة من البيئات اللغوية المنعزلة، والتي لا تلبث بعد مرور قرن أو قرنين أن تتطور تطورا مستقلا، يباعد بين صفاتها، ويشعبها إلى لهجات متميزة، إذ لا بد من تطور الكلام وتغيره على مرور الزمن.
أما العامل الرئيسي الثاني لتكوين اللهجات فهو الصراع اللغوي نتيجة غزو أو هجرات إلى بيئات معمورة. فقد يغزو شعب من الشعوب أرضا يتكلم أهلها لغة أخرى، فيقوم صراع عنيف بين اللغتين الغازية والمغزوة، تكون النتيجة عادة إما القضاء على إحدى اللغتين قضاء يكاد يكون تاما، أو أن ينشأ من هذا الصراع لغة مشتقة من كلتا اللغتين الغازية و المغزوة، يشتمل على عناصر من هذه وأخرى من تلك.
2- اللهجات الأمازيغية في بلاد المغرب:
تشمل المنطقة الناطقة بالأمازيغية في الوقت الراهن نحو عشرة من الدول الواقعة ضمن المجموعة التي تضم بلاد المغرب والصحراء وبلاد الساحل.كدول مثل النيجر ومالي وتشاد وليبيا وتونس وبوركينافاسو غير أن الجزائر والمملكة المغربية تعتبران الدولتان اللتان تحتويان على أهم نسبة من الناطقين بالأمازيغية.
من أهم المناطق الناطقة بالأمازيغية بالجزائر: منطقتا القبائل والأوراس؛ وكذا الطوارق في الجنوب الكبير، فضلا عن بعض الجيوب اللغوية الصغيرة المتعددة وسط وغرب الجزائر على غرار شرشال(تيبازة)، عسلة(النعامة)، بني سنوس(تلمسان)، تيميمون(أدرار)...الخ.
أما الناطقين بالأمازيغية في المملكة المغربية فيتوزعون على ثلاثة مناطق لهجاتية كبرى تغطي مجمل المناطق الجبلية : في الشمال : الريف (اللهجة الريفية" تاريفيت)، في الوسط : الأطلس الأوسط وجزء من الأطلس الأعلى (لهجة تامازيغت)، في الجنوب/ الجنوب الغربي (الأطلس الأعلى، الأطلس الأدنى وسوس)، منطقة الشلوح (اللهجة الشلحية " تاشلحيت).
يضاف إلى ذلك بعض التجمعات السكاة الصغيرة :
- في واحة سوا شمال غرب مصر.
- في ليبيا في كل من : جبل نفوسة ، و واحات غدامس ، سُخنة ، أودجيلة ، فضلا على سواحل زوارة .
- في تونس : على شكل جيوب صغيرة في طور الاندثار، في قرى جزيرة جربة، تامزرت، شمال مطماطة، في شنيني ودويراة وكذا شمال تاطاوين.
3- اللغة الليبية:
لم يترك المهتمون أي اتجاه إلا و سلكوه، فبرتولون (Bertholon) يقول أن اللغة الليبية هي لهجة هلينية نقلها التراقيون (Thrace) والبعض الآخر يرى فيها آثار اللغة السومرية أو الطورانية، وأخيرا وضع البعض النموذج الباسكي كقاعدة مشتركة تضم الليبي – البربري، ولكن بمسوغات ساذجة أحيانا، أما هواة بداية القرن العشرين، فكانوا يعتقدون في الواقع أنهم يستطيعون تأسيس تقارب لغوي ضمن سلسلة طويلة من المصطلحات المعجمية موازية لقائمة من المصطلحات المعجمية، إلا أن بعض هذه المقاربات لا يخرج عن دائرة الفضول .
لكن المتعارف عليه أن اللغة الليبية واحدة من اللغات التي تنتمي إلى ما يعرف بفصيلة اللغات الحامية، والتي تشترك فيها هذه اللغة مع كل من اللغات المصرية القديمة واللغة الكوشية التي تشمل الإثيوبية والصومالية، ويستند اللغويين في ذلك على أوجه الشبه التالية الموجودة بين هذه اللغات، وقد عددها كمال نايت زراد فيما يلي:
1-وجود علامات إعرابية عند تصريف الأفعال.
2-ضمائر متصلة وكذا صفات مِلكية.
3-ضمائر منفصلة) مستقلة (.
4-الاشتقاق بواسطة سوابق.
5-بنية الفعل.
وقد خرج بيتس (أوريك) من مقارنة عقدها بين اللغة الليبية (البربرية) القديمة و اللغة المصرية إلى أن العلاقة بينهما في القواعد والمفردات علاقة وثيقة و لكن ليس من المعروف أين تم ذلك الاتصال و التداخل وما إذا كان قد تم في مصر السفلى أو العليا.
ومن جهة أخرى، ثبت أن للغة الليبية القديمة خط ذو حروف خاصة. واشتهر في التاريخ بالخط الليبي. وانتشرت الكتابة به في كثير من بلدان الشمال الإفريقي وكذلك لغته أيضا و قد تعلمها وكتب بها حتى الفينيقيون في قرطاجنة وهذا من أكبر الأدلة على إن الليبيين القدماء كانوا أمة متحضرين لها ثقافات وآداب خاصة بها".
4- وحدة اللهجات الأمازيغية:
يؤكد هنري باسي (Henri Basset)إن المجموعة البربرية تشمل مجموعة من اللهجات، مقسمة ومتشعبة بدورها إلى عدد لا متناهي من اللهجات المحلية؛ و هي تتضمن عدة لغات. و قد بقيت على هذه الحال من التطور التي كانت عليه اللغات الهندو-أوروبية مثلا قبل أن انفصال فروعها (Rameaux)، حيث كانت لكل مجموعة فرعية لهجتها الخاصة (Spéciale) ، و لم تملك أي منها لغة قائمة بذاتها (Langue Particulière).
ويشير ذات الباحث إلى قضية مهمة تخص قواعد هذه اللهجات حيث إن الاختلافات التي تُسجل بين اللهجات(الأمازيغية) لا تتعلق أبدا - أو تقريبا - بقواعد اللغة ، لكنها محصورة بالجانبين الصوتي و المعجمي.
ويؤيده في سالم شاكر في هذا الرأي إذ يرى أنه رغم التشتت الجغرافي و غياب قطب تقييس ورغم قلة المبادلات (اللغوية) فإن المعطيات البنيوية الأساسية تبقى نفسها في كل مكان : إن درجة وحدة اللهجات البربرية (خاصة النحوية منها) مدهشة على نحو كبير بالنظر للمسافات الفاصلة بينها و كذا تقلبات التاريخ. تكاد تكون الاختلافات بينها دائما سطحية و لا تسمح بتمييز فرق واضح بين مختلف اللهجات".
لكن هذا لا يمنع من وجود صعوبة في التفاهم بين مستعملي اللهجات الأمازيغية وذلك نظرا لأن هذه اللغة تتكون من العديد من اللهجات، التي و إن كانت لا تنطوي على اختلافات أساسية في جوهرها ، فهي مختلفة من حيث هيئتها (Aspect ) إلى حد ما لدرجة يجد فيها البربر القادمون من مناطق مختلفة في الغالب صعوبة كبيرة لفهم بعضهم البعض ، و في بعض الأحيان لا يتمكنون حتى من تحقيق ذلك .
و عن سبب ذلك ، يقول هنري باسي بأن انقسام اللغة إلى لهجات :" لا مفر منه بالنسبة لأية لغة لا تملك أدبا مكتوبا ، و تُستعمل في إقليم واسع جدا ، كما لا توجد بين سكانه اتصال متواتر لا بدّ أن تتفرع إلى عدد مماثل للمجموعات التي تستعملها ، مهما كانت الأسباب التي باعدت بينهم سواء كانت جغرافية ، اقتصادية أو بشرية . و مع تعاقب القرون، تنزع هذه اللهجات للتميز بعضها عن البعض أكثر فأكثر.
النظرية الأولى: وجود صلة بين الليبية القديمة واللهجات الأمازيغية:
يرى أصحاب هذه النظرية على غرار ليونال غالون أن مختلف الغزاة المعروفين تاريخيا لم يجلبوا معهم كل من اللغة الليبية في العصور القديمة أو البربرية المستعملة في وقتنا الراهن إلى شمال إفريقيا. إن هذا يحضنا على اعتبارهما حالتين اثنتين للغة واحدة (أو من نفس عائلة اللهجات المحلية)، استقرت قديما في البلاد، واللجوء إلى البربرية لتفسير المواد الليبية التي وصلتنا. غير أن النتائج المحصلة عليها، رغم أنه لا يمكن إهمالها، قلما تتعدى طور الفرضيات."
ويضيف الباحث نفسه أن اللغة البربرية، التي تحمل مختلف تنوعاتها المحلية سمة وحدة عميقة، تستعمل اليوم في مجال جغرافي متقطع و نطاق جد متغير، يمتد من المحيط الأطلسي إلى مصر و من البحر المتوسط إلى بوركينافاسو. في هذه المنطقة، استعملت فيها ولا تزال تستعمل لغات أخرى: الفينيقية، البونيقية، الإغريقية، اللاتينية، العربية، التركية فضلا على اللغات الرومانية(لغات مشتقة من اللاتينية) للقوى الاستعمارية السابقة، لكن وصول كل من هذه اللغات إلى المنطقة موثق من قبل التاريخ، على خلاف البربرية، وبالتالي نستنتج أنها سبقت كل اللغات الأخرى. من جهة أخرى، تثبت العديد من الوثائق وجود لغة على الأقل قبل الفتح العربي لا يمكن أن نعزوها لأي من الغزاة المعروفين. إن اجتماع هذين المعطيين يوحي إلى أن هذه اللغة التي تسمى في الغالب ليبية نسبة لاسم إفريقيا لدى الإغريق، ليست سوى اللغة البربرية في العصور القديمة."
هذا ويؤكد صالح بلعيد أن الأمازيغية " لا تشكو قصورا كأداة تواصل قائمة بذاتها ، تتوفر بنياتها الصوتية والصرفية والمعجمية والتركيبية على خصائص اللغات الحية، فهي تتفاعل مع غيرها من اللغات المتساكنة في نفس المحيط الثقافي، وإنها ملكة لسانية متميزة . ومصطلح اللغة الأمازيغية افتراضي، لغياب اللغة الجامعة ، ولكن تبقى اللهجات البربرية لغات السكان الأصليين لشمال إفريقيا، توارثها الخلف عن السلف، وهي لغات ليبية قدمى."
وفيما يخص حروف هذه اللغة هناك شبه إجماع على تسميتها تسميتان اثنتان و هما : ' حروف تيفيناغ ' و ' الحرف الليبي '. بل وكثيرا ما يحدث ا أن تستعملا كمرادفين للتعبير عن المدلول نفسه.
ومن جهته، يرى محمد بن مسعود أن اللغة البربرية ذات اللهجة المعروفة لنا في الحاضر هي نفس اللسان الليبي القديم. غير أنه طرأ عليها أمران (أ) أن مفرداتها الأولى ليست كلها من أصل واحد بل كانت فيها مفردات كثيرة جاءت إليها من لغة الأجناس التي ذكرتها مؤلفات الإفرنج عن أصل البربر (ب) و اللسان البربري المعروف الآن كذلك انحرف عن الأصل الأول في اللهجة و التراكيب متأثرا بلغة الغزاة الفاتحين، و قد دخلت فيها مفردات عربية لا تحصى" .
النظرية الثانية: المشككين في وجود صلة بين الليبية القديمة واللهجات الأمازيغية:
لم تلق المواقف سالفة الذكر إجماعا من طرف مجمل فقهاء اللغويين، حيث يرى محمد العربي عقون أن اللغة الأمازيغية أو الليبية (Le Libyque) المشتركة القديمة جدا، لا وجود لها إلا في أذهان علماء الألسنية، ولا ريب أنها تتميز عن لهجات اليوم، وكانت منتشرة في عموم الشمال الإفريقي من النيل إلى الأطلنطي، ما عدا جبال التيبستي التي هي معقل لغة تيدا (Téda) .
وفي السياق ذاته، يقول أوريك بيتس (Oric Bates) أن أصل اللغة التي تكلمها الليبيون منذ فجر التاريخ غير معروف تماما كما هي الحالة بالنسبة لأصل الليبيين أنفسهم. و لعل من الأفضل أن توضع كل التكهنات الخاصة بهذا الموضوع على الرف إلى أن يتم تجميع المزيد من الأدلة و البينات".
أما لحسن سرياك فيشير إلى أن البعض يؤكد أن لغة أمازيغية متجانسة وجدت إلى جانب اللغة الليبية والتيفيناغ قبل أن تتشظى إلى ما بين 4000 و 5000 لهجة فرعية Idiomes (و هذا ما يدل على وجود طاقة لسانية). وبالتالي يضع أصلا مشتركا للهجات الأمازيغية مختلفا عن اللغة الليبية.
وهكذا كان البربر إلى الفتح الإسلامي بدون لغة مشتركة وبدون حروف يكتبون بها أصواتهم، فبقوا يعيشون على لهجات عديدة على حسب قبائلهم ومواطنهم، وليس لهم لغة مكتوبة مشتركة ولا أبجدية منسوبة إليهم عدا النسبة الغير القطعية لرموز النقوش الليبية.
لعل هذه المهاترات الفكرية تفسر الموقف الحذر جدا الذي يتبناه الباحثون في مجال اللغة البربرية إلى درجة شكهم في صلة القرابة بين اللغة البربرية و اللغة الليبية ، أو بالأحرى حذرهم الشديد حتى إنهم يريدون أن يكونوا متيقنين من أن اللغة المكتوبة بحروف ليبية كانت بالفعل شكلا قديما للغة البربرية.
ويخلص ليونال غالون (Lionel GALAND) إلى أنه لا يرى في الواقع كيف أمكن اختفاء اللغة الليبية وظهور البربرية في غمرة الحقبة التاريخية دون أن يبقى أي دليل على هكذا حدث. في حين أنه من المفترض أن يساهم الإلمام بالبربرية في فهم الوثائق الليبية. بيد أن كل المختصين، متفقون على الإقرار بقصور النتائج المحققة خلال قرن ونصف من الأبحاث.
يعزى هذا الموقف المشكك في نسبة اللهجات الأمازيغة للغة الليبية إلى الفشل المتعلق بالدراسات الليبية التي يفسرها محمد العربي عقون إلى كون المتبربرين قليلون وهم مهتمون بجرد مختلف اللهجات الأمازيغية المحلية، ولم يركزوا بعد على اللغة الليبية، ويعتبرون أن كتابتها المقولبة غير ذات أهمية، أما الهواة أو الجامعيون غير المتبربرين المهتمين بالنصوص الليبية بسبب قيمتها التاريخية أو الأثرية فإنهم غير مزودين بوسائل البحث في هذا المجال، وفي الأخير فإن المنظومة الكتابية الليبية الخالية من الحروف الصائتة لا تساعد الباحث على إعادة التركيب الكامل للغة.
حيث لا تزال النقوش الليبية رغم قرن من الأبحاث و عدد هام من الباحثين لم تفك – في قسم منها – نصوصها، مثلما أشار إليه الباحث سالم شاكر رغم امتلاك الباحثين لعدة إمكانيات مساعدة، مثل: الكتابات المزدوجة البونية – الليبية، واللاتينية – الليبية، ومعرفة البنية الحالية للغة، وكل المعطيات التاريخية : أسماء الأماكن والأشخاص، شهادات المؤلفين العرب ... التي تؤكد انتماء الأمازيغ من الليبيين.
والرأي نفسه ذهب إليه غابريال كامب (Gabriel Camps) حيث يشير إلى أنه وبالرغم من عدد النقوش الليبية المكتشفة فضلا عن قرن كامل من الأبحاث، تبقى هذه النقوش عويصة القراءة ...إن هذه الوضعية تعتبر مفارقة من حيث أن الألسنيين يتوفرون على العديد من الوسائل : نقوش مزدوجة اللغة، بونيقية ليبية، لاتينية ليبية، فضلا عن معرفة الشكل الحديث للغة، بحيث حتى وإن لم نكن نملك الدليل القاطع على الوحدة اللسانية للسكان القدامى في شمال إفريقيا، فإن كل المعطيات التاريخية، المواقعية (Toponymie)، دراسة أسماء الأعلام (Onomastique)، المعجم فضلا عن شهادات المؤلفين العرب تؤكد صلة القرابة بين اللغتين الليبية و البربرية.
الخاتمة:
نخلص مما سبق تناوله في هذا المقال أن نسبة اللهجات الأمازيغية إلى اللغة الليبية القديمة لا تعتمد على أساس علمي يعتد به وإنما يتعلق الأمر بفهم سطحي لهذه المسألة المعقدة، حيث لم يكلف أصحاب هذه النظرية أنفسهم عناء البحث سعي إلى جمع أدلة لغوية أركيولوجية تؤيد هذه النظرية رغم التطور الذي عرفته مختلف فروع اللسانيات وكذا علم الآثار، رغم أهمية المسألة خاصة إذا أدخلناها في إطار المساعي الحديثة نسبيا لتهيئة لغة أمازيغية موحدة تعتمد على اللهجات الأمازيغية أساسا لهذه العملية، إذ أن فهم المسار التاريخي لتطور هذه اللهجات المنتشرة عبر منطقة جغرافية مترامية الأطراف قد يساعد بشكل كبير في بلورة ميكانيزمات وآليات عملية التهيئة التي يحلوا للبعض تسميتها بإعادة "إحياء" اللغة الأمازيغية.
الهوامش:
إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 3، القاهرة، 1965، ص 15.
المرجع نفسه، ص16.
عبد الغفار حامد هلال، اللهجات العربية نشأة وتطورا، مكتبة وهبة، ط 2، القاهرة، 1993، ص 391.
Jean Dubois, Mathée Giacomo, Louis Guespin et autres, Dictionnaire de linguistique, Larousse- Bordas/VUEF, Paris, 2002,p143
إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، ص 20.
المرجع نفسه، ص 21.
سالم شاكر ، الأمازيغ و قضيتهم في بلاد المغرب المعاصر ، ترجمة : حبيب الله منصوري ، دار القصبة للنشر، 2003 ، ص 12 .
Lahcène Sériak , Identité Amazighe , L’Algérie aux sources de l’humanité : 30 siècles d’histoire , corpus et bibliographie , 2002 ,p 33
محمد العربي عقون، الأمازيغ عبر التاريخ، نظرة موجزة في الأصول والهوية، التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، ط1. الرباط، 2010، ص 32.
Kamal Nait-Zerrad, Grammaire du berbère contemporain (Kabyle) ,1-Morphologie, ENAG /Editions, Alger, 1995 ,19.
عبد اللطيف محمود البرغوثي، التاريخ الليبي القديم من أقدم العصور حتى الفتح الإسلامي، الجزء الأول، منشورات تاوالت، ص82 .
محمد بن مسعود، تاريخ ليبيا العام، من القرون الأولى إلى العصر الحاضر، الجزء الأول، ط 1، المطبعة العسكرية البريطانية 1948، منشورات تاوالت، ص ص 33 – 34 .
Henri Basset, Essai sur la littérature des berbères, Ibis Press, Paris, 2001, P 38.
Ibid, P 39.
Chaker Salem, Unité et diversité de langue berbère, Acte du Colloque international Unité et diversité de Tamazight, Ghardaïa 20 -21 Avril, Tome I , Agraw Adelsan Amaziɡ /FNACA,Tizi-ouzou,1992, P 130 .
Henri Basset, Essai sur la littérature des berbères, Ibis Press, Paris, 2001, P 37.
Ibidem,
Lionel GALAND, Études de linguistique Berbère, collection linguistique publiée par la société de linguistique de Paris LXXXIII, PEETERS LEUVEN, PARIS, 2002, P3.
Ibidem,.
أ.د صالح بلعيد ، هويتنا اللغوية : الأمازيغية العربية صراع أم تكامل Revue Campus , édité par la cellule de communication du vice rectorat des relations extérieures et des manifestations scientifiques - Université Mouloud Mammeri de Tizi-Ouzou, Numéro 3 , septembre 2006 , ، ص 49.
محمد بن مسعود ، تاريخ ليبيا العام ، من القرون الأولى إلى العصر الحاضر ، ج 1 ، المطبعة العسكرية البريطانية ، ط 1 ، 1948 ، ص 33.
محمد العربي عقون، الأمازيغ عبر التاريخ، نظرة موجزة في الأصول والهوية، ص 09 .
عبد اللطيف محمود البرغوثي، التاريخ الليبي القديم من أقدم العصور حتى الفتح الإسلامي، ج 1، منشورات تاوالت. د ط، دون ذكر البلد، دت، ص 82 .
Ahcéne Sériak , Identité Amazighe , l’Algérie aux sources de l’humanité : 30 siècles d’histoire , Corpus et bibliographie , Alger , 2002 , p 60.
أبو القاسم سعد الله، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج 4، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت، 1996، ص ص 205.
Gabriel Camps , Les berbères , Mémoire et identité , collection Babel- Acte Sud,2007, p68.
Lionel GALAND, Études de linguistique Berbère, collection linguistique publiée par la société de linguistique de Paris LXXXIII, PEETERS LEUVEN, PARIS, 2002, PP 3- 4.
محمد العربي عقون، الأمازيغ عبر التاريخ، نظرة موجزة في الأصول والهوية، ص 14.
المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
Gabriel Camps , Les berbères , Mémoire et identité , pp 68-69.


Lien :

Ajouté le: 24-02-19

National communication

عنوان المداخلة: ترسيم الأمازيغية بتنوعاتها اللهجية في الدستور الجزائري وأثره في استقرار الجزائر.
الدكتور : سمير براهم
مؤسّسة الانتماء: جامعة محمد بوضياف (المسيلة)
البريد الإلكترونيّ: samir_dialectologie@yahoo.fr

نصّ المداخلة :

مقدمة:
لقد أدى استقلال عدد كبير من بلدان العالم، خاصة في أفريقيا وآسيا بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية وشعور كل من تلك البلدان بوحدته القومية إلى ضرورة اعتماد لغة رسمية واحدة يستخدمها سكان كل بلد في التفاهم مع بعضهم بعض. وبالتالي، يمكن تصور أن اختيار لغة معينة دون غيرها من اللغات على أنها لغة وطنية أو رسمية يكتسي أهمية كبيرة وتنعكس سلبا أو إيجابا على المستويات السياسية، الاقتصادية والثقافية.
إذ يمكن للغة أن تكون ركيزة أساسية في بناء الدول، وفي لمّ شمل الأفراد وفي التزامهم بأوطانهم وتربطهم بتاريخهم المشترك وبتراث أجدادهم وبتقاليدهم. وعلى النقيض من ذلك، قد تتحول إلى نقمة وسبب في زرع الخلاف والشقاق بينهم وأداة فتنة يستغلها الأعداء لبث البغضاء بين أبناء الوطن الواحد، حتى يتنكروا لكل الثوابت والمبادئ التي توحدهم.
ومن هنا نتفهم المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتق حكومات الدول التي تتمتع بتعدد لغوي، لتجنب إحساس فئات في المجتمع لا تحظى لغاتها باعتراف رسمي من طرف الدولة بالغبن وبالتمييز اللغوي ضدها حتى لا ينفجر صراع لغوي بين قد يتحول بفعل فاعل إلى صراع سياسي يهدد الوحدة الوطنية.
وضمن هذه المقاربة، بادر رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة باقتراح تعديل ثالث لدستور 1996، بحيث يتم فيه الاعتراف باللغة الأمازيغية لغة رسمية، وأقرّ البرلمان هذه التعديلات شهر مارس 2016، لكن إلى أي مدى يسهم ترسيم الأمازيغية في حماية الأمن الهوياتي الجزائري؟
للإجابة عن هذه الإشكالية، تضمنت خطة البحث تعريفا للهوية وعلاقتها باللغة ثم تطرقت لأبعاد الأمازيغية وتنوعاتها كعنصر من عناصر الهوية الجزائرية. كما تناولت المداخلة بالبحث المقومات التاريخية والديمغرافية والجغرافية واللسانية التي تبرّر ترسيم الأمازيغية بمختلف تنوعاتها اللهجية.
ومن جهة أخرى، وقفت على أهم أسباب تهميش الأمازيغية في الجزائر بعد الاستقلال وكذا موقف مختلف الدساتير الجزائرية من الوضعية اللغوية.
1- تعريف الهوية:
أ‌- المعنى الاشتقاقي:
مفهوم "هوية" في اللغة العربية، وكما استعمل عند الفارابي على الخصوص، اسم مصاغ انطلاقا من الضمير المنفصل "هو". ويبدو أنه ترجمة حرفية للفظ اليوناني الأرسطي tautotes (ταυτοτης) الذي يعني: هو نفسه، نفس الشيء، الشيء المطابق لذاته. وهو المعنى ذاته الذي تؤديه في اللاتينية كلمة Idem، التي تعني بدورها :" هو نفسه، هو هو، نفس الشيء"، ومنها اشتق مصطلح Identité (هوية) المستعمل في كثير من اللغات الأوروبية، ليس فقط المنحدرة من اللاتينية مثل الفرنسية والإيطالية والإسبانية، بل حتى الأصل الجرماني مثل الألمانية والإنجليزية والهولندية والدانماركية...
ب‌- المعنى الاصطلاحي:
إن مفهوم الهوية " في استعمالاته العامة والأكثر تداولا، يدل على مجموعة خصائص يفترض أنها أساسية، مستقرة ومستمرة عند فرد من الأفراد، على الرغم مما قد يطرأ عليه من تغيرات. وعادة ما ينظر إلى تلك الخصائص على أنها هي التي تجعله يظل هو هو، متماثلا دائما مع ذاته، بحيث يمكن التعرف إليه من خلالها وتمييزه من غيره.
عندما يتعلق الأمر بهوية الشعوب كأمم وكأقطار وكدول فإنها مجموع الخصائص الملازمة لشعب ما، والتي ينفرد بها وحده (عنصر المطابقة)، وبها يختلف ويتميز عن كل الشعوب الأخرى (عنصر الاختلاف). ولتلخيص هذا التعريف، نقول إن الهوية تعني الخصوصية (عنصر المطابقة) والتميز (عنصر الاختلاف).
2- اللغة والهوية وعلاقتهما باستقرار المجتمعات :
ثمة نوع من التوافق العام على أن مفهوم "الهوية الثقافية" يحيل إلى مجموعة من العناصر والمقومات التي يفترض أنها تسمح بالتعرف إلى الانتماء الثقافي لشخص ما، أو لمجموعة بشرية معينة. كما يشير كذلك إلى الوعي الضمني أو الصريح، بالانتماء إلى جماعة بشرية معينة تعيش في فضاء جغرافي محدد، وتشترك في تاريخ وتراث ثقافي، تعتبر اللغة أحد مكوناته الرئيسية.
إذا اعتبرنا أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل بين الناس، بل تشارك بشكل أساسي في تحديد الهوية الجماعية للمجموعة التي تتحدث بها. إن فعل اختيار لغات معينة على أنها لغات وطنية أو رسمية يكتسي أهمية غير منازع فيها وله آثار مؤكدة على المستويات الأيديولوجية الاقتصادية و الثقافية".
يقول لويس جان كالفي " أن أتحدث بلغة ما أو بشكل لغوي ما، وأن أفضل استخدام هذا الشكل دون ذاك، أو أن أزعم استخدام هذا الشكل دون ذاك، شيء يتجاوز دائما مجرد الاستخدام لأداة من أدوات التواصل. أن أتحدث لغة ما يدل دائما، فضلا عن حديثي بهذه اللغة، على شيء آخر، لأنني حين أكون قادرا في وضع ما على الاختيار بين عدد من اللغات، فإن لاختياري دلالة كما لمحتوى الرسالة دلالة في الوقت نفسه".
الظاهر أن الشعور بالانتماء إلى هوية ثقافية معينة هو بمنزلة حاجة نفسية واجتماعية ضرورية لا غنى عنها لأي إنسان. فهذا الانتماء هو المجال العاطفي والرمزي لنمو الذات وإثباتها وتفتحها.
الكيفية التي يعرّف الناس بها ذواتهم أو أمتهم، وتتخذ اللغة، الثقافة والدين أشكالا لها، فهي تنأى بطبيعتها عن الأحادية، وتنحو منحى تعدديا تكامليا إذا أحسن تدبيرها، ومنحى صداميا إذا أهملت وأسيء فهمها، تستطيع أن تكون عامل توحيد و تنمية، كما يمكن أن تتحول إلى عامل تفكيك و تمزيق النسيج الاجتماعي الذي تؤسسه عادة اللغة الموحدة.
3- أبعاد الأمازيغية وتنوعاتها كعنصر من عناصر الهوية الجزائرية:
أ)البعد التاريخي:
تشير المعطيات التاريخية بما لا يدعو للشك بأن الأمازيغية كانت لغة أصيلة في بلاد المغرب، وهذا ما يؤكده أحمد بوكوس حين يقول " تعد الأمازيغية أقدم لغة موجودة في المنطقة. وترجع مصادر من علم آثار مصر القديمة تاريخ الأمازيغية المكتوب إلى الألفية الثانية قبل الميلاد على الأقل.
وفي ذات الصدد، يؤكد كمال نايت زراد أن الأمازيغية " كانت مستعملة منذ آلاف السنين في كل أرجاء شمال أفريقيا... من المرجح أن الأمر كان يتعلق منذ ذلك الحين بلهجات محلية متشابهة بعضها ببعض بشكل كبير. لكن أوجه التباين تعمّقت فيما بينها مع مرور الزمن".
وعن الأمازيغ ولغتهم يؤكد الحسن بن محمد الوزان الفاسي أن " هذه الشعوب الخمسة المنقسمة إلى مئات السلالات وآلاف المساكن (الأسر) تستعمل لغة واحدة تطلق عليها اسم " أوال أمازيغ " أي الكلام النبيل، بينما يسميها العرب البربرية. وهي اللغة الإفريقية الأصلية الممتازة والمختلفة عن غيرها من اللغات ".
ومن جهته، يشير ليونال ليونال غالون إلى أن الأمازيغية " التي تحمل مختلف تنوعاتها المحلية سمة وحدة عميقة، تستعمل اليوم في مجال جغرافي متقطع ونطاق جد متغير، يمتد من المحيط الأطلسي إلى مصر ومن البحر المتوسط إلى بوركينافاسو. في هذه المنطقة، استعملت فيها ولا تزال تستعمل لغات أخرى: الفينيقية، البونيقية، الإغريقية، اللاتينية، العربية، التركية فضلا على اللغات الرومانية (لغات مشتقة من اللاتينية) للقوى الاستعمارية السابقة، لكن وصول كل من هذه اللغات إلى المنطقة موثق من قبل التاريخ، على خلاف البربرية، وبالتالي نستنتج أنها سبقت كل اللغات الأخرى.
ولعل الدليل المادي على وجود هذه اللغة هو أبجديتها الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، حيث استعمل سكان شمال إفريقيا القدامى " منظومة كتابية هي الخط الليبي (Le Libyque) الذي انبثق منه تيفيناغ الطوارق، والدليل على ذلك هو أن النقوش الليبية والتيفيناغ القديم عثر عليهما في مناطق هي اليوم مستعربة تماما (في تونس وفي شمال شرقي الجزائر وفي منطقة الغرب وطنجة في المغرب وفي الصحراء الشمالية ...) وكانت هذه الكتابة في المناطق الشمالية من بلاد البربر وعلى الخصوص الساحلية منها، قد واجهت منذ وصول الفينيقيين منافسة كبرى من طرف الكتابة البونية ثم اللاتينية فيما بعد، إلى الحد الذي يجعلنا نقبل بالاستنتاج الذي مفاده أن الكتابة الليبية في تلك المناطق طواها النسيان عند أهلها وعلى الخصوص عند حلول الألفباء العربية مع انتشار الإسلام في القرن السابع.
ب) البعدين الديمغرافي والجغرافي:
لطالما شكل موضوع الإحصائيات السكانية ذات الصلة بالدين واللغة والعرق موضوعا حساسا في أغلب دول العالم وبخاصة في دول العالم الثالث، نظرا لما قد يترتب من إجرائها من تهديد للسلم الاجتماعي والسياسي فيها، قد يؤدي في النهاية إلى زوالها، لذا يعتبر تقديم إحصائيات لغوية دقيقة في الجزائر صعبا وكثيرا ما يقتصر الأمر على تقديرات نسبية لا يمكن الوثق بها.
و تتراوح نسبة الأمازيغ –حسب سالم شاكر - من" 20 إلى 25 % من سكان الجزائر ... هو يرى أن هذه الأرقام تعتبر " تقديرات دنيا والتي بإمكاننا اعتبارها مضمونة، ويمكننا القول إنه بإمكان هذه النسب أن تكون عالية في الواقع، بحيث يمكنها أن تصل إلى 30 % في الجزائر و 50 % في المملكة المغربية".
ويبقى من المهم التركيز على البعد الجغرافي لانتشار الأمازيغ بدل التورط في إحصاء أعدادهم وما يترتب عن ذلك من جدال عقيم حول أرقام افتراضية، لأن المسألة لا تتعلق بمن يشكلون الأغلبية أو الأقلية بقدر ما تتعلق بثابت من الثوابت الوطنية، فالأمازيغية قبل أن تكون لغة هي تاريخ وثقافة وهوية يشترك فيها كل الجزائريون بدون استثناء. حتى ولو كانت بمقدور الدول " تقديم إحصائيات دقيقة على مستوى اللغة، فإن مستوى الهوية يبقى مجهولا، خصوصا أن الأمازيغية روح ثقافية، أكثر من كونها انتماء عرقيا. فمن الصعب تحديد ماهية العرق الصافي، لأن المغاربة جميعا يشتركون في الروح الأمازيغية والروح العربية والروح الإسلامية". على حد تعبير الباحث عز الدين مناصرة.
يتوزع الناطقون بالأمازيغية في شمال البلاد وجنوبها ووسطها وغربها وشرقها. إذ نجدهم منتشرين شرق البلاد في كل من باتنة وخنشلة وسوق أهراس وشمال بسكرة، شمال سطيف وبرج بوعريريج ...الخ. في بجاية وتيزي وزو والبويرة وتيبازة وبومرداس والجزائر العاصمة والشلف ...إلخ وسط البلاد. فضلا على تجمعات سكانية صغيرة غرب البلاد في كل من عسلة بولاية النعامة وبوسمغون في ولاية البيض وفي مناطق بني سنوس وبني بوسعيد بتلمسان. أما جنوب البلاد نجدهم في كل من غرداية وورقلة –نقوسا وغرب واد ريغ– وبشار وأدرار وصولا إلى ولايات تمنراست وإليزي في أقصى الجنوب.
من اللافت أن الأمازيغ ليسوا منتشرين في فضاء جغرافي واحد كما هو الحال بالنسبة للأقليات اللغوية في الدول الأوروبية مثلا، الشيء الذي يؤكد على أن ترسيم اللغة الأمازيغية لا يخص منطقة القبائل فقط كما يدعي البعض، بل هو مكسب لكل الجزائريين في طول البلاد وعرضها. كما يدحض مزاعم بعض المغرضين الذين ينظرون بعين الريبة لأي اعتراف باللغة الأمازيغية ويعتبرونه تهديدا للوحدة الوطنية وتشجيعا للنزعة الانفصالية.
ج) البعد اللساني للأمازيغية بين الوحدة والتنوع:
تتوفر الأمازيغية بتنوعاتها اللهجية على مقومات لسانية لا تختلف عن تلك التي تتوفر عليها مثلها مثل كل اللغات الأخرى يجملها محمد المرداسي فيما يلي:
الحياة: مازالت حية تستعمل في الحياة اليومية وهو أهم شرط على الإطلاق.
مستقلة : أي أنها لغة قائمة بذاتها تملك قوانين الصرف و الاشتقاق و النحو الخ ...
التاريخ : أي أنها موجودة منذ أن وجد الإنسان الأمازيغي.
التدوين: بالنسبة للتدوين قليل إلا أنه لا يمثل مشكلة ما دامت الشروط الأخرى متوفرة.
عموما تتميز الأمازيغية بوجود تسلسل هرمي مكون من ثلاث مستويات جليّة الوضوح وعلى رأسها :
1-اللغة البربرية، وهي واحدة من حيث بنياتها الأساسية، وهي بدورها تتفرع إلى:
2-لهجات جهوية، تتطابق مع مناطق مباشرة للفهم اللساني المتبادل، عادة ما تحدد هويتها بتسمية داخلية وبالتالي تميّزها الذاكرة الجماعية بوضوح (القبائلية، الشلحية، تامازيغت...).
3-اللهجات المحلية، وهي تضم كل الاستعمالات الخاصة لوحدات قروية أو كنفدرالية (قبلية). وهي تتميز بخصوصيات صوتية ومعجمية وفي بعض الأحيان نحوية، لكن ذلك لا يؤثر أبدا الفهم المتبادل داخل المنطقة اللهجية نفسها، بل تسمح بتحديد الهُوية الجيولسانية المباشرة للمتكلمين بها".
ويلخص شارل هذه الوحدة "المتعددة" عندما يقول في كتابه تاريخ إفريقيا الشمالية " لا شك أن هذه الوحدة (الأمازيغية) قد ظهرت قديما في ميدان اللغة، وقد لا يكون ذلك باستعمال لغة واحدة في بلاد البربر كلها، بل في أغلب الظن باستعمال لهجات متقاربة تكون مجموعتها المسماة اصطلاحيا الليبية فرعا من فروع أسرة حام، وهي مصدر اللهجات البربرية الحالية. غير أن هذه المجموعة التي هددتها لغات مدنيات أخرى تصدعت وتفرقت كتلا مختلفة. .
لكن سالم شاكر يؤكد على أوجه التشابه الموضوعية بين مختلف اللهجات الأمازيغية خاصة فيما يخص العناصر النحوية، وفي ذلك يقول" رغم التشتت الجغرافي وغياب قطب تقييس ورغم قلة المبادلات (اللغوية) فإن المعطيات البنيوية الأساسية تبقى نفسها في كل مكان: إن درجة وحدة اللهجات البربرية (خاصة النحوية منها) مدهشة على نحو كبير بالنظر للمسافات الفاصلة بينها وكذا تقلبات التاريخ. تكاد تكون الاختلافات بينها دائما سطحية ولا تسمح بتمييز فرق واضح بين مختلف اللهجات".
ومن جهته، يركز كمال نايت زراد على الجوانب المعجمية والتركيبية فهو يؤكد أن هذه اللهجات "تملك في جوهرها نفس البنية المورفوسانتاكسية فضلا على أساس معجمي مشترك. لذا يمكننا الحديث عن "لغة بربرية".
4-أسباب تهميش الأمازيغية في الجزائر بعد الاستقلال:
أ‌) الاستغلال السياسي للأمازيغية من طرف الاستعمار الفرنسي:
يعتقد ماكسيم آيت كاكي أن "ميدان الدراسات الأمازيغية الذي كان حكرا على المختصين الفرنسيين حتى وقت قريب، أوحى التاريخ الرسمي لشمال إفريقيا بطريقة خادعة فكرة أن حقيقة الهوية البربرية كانت نتاج مشروع سياسي فرنسي واسع النطاق، متناسق وموجه لتحقيق أهداف محددة. لكن هذا الباحث يتجاهل إقرار العديد من الباحثين بوجود هذا المشروع السياسي.
فسالم شاكر مثلا يقرّ أنه فرنسا" استعملت وجود الأقليات البربرية بشكل منهجي لإنكار أي وجود لهوية وطنية في الجزائر. ولطالما بذلت قصارى جهدها لتوصيف البلاد على أنها فسيفساء من أعراق متناحرة، لم يقو حتى الدين على لمّ شملها. استعملت القضية البربرية منذ بداية الاستعمار استعمالا سياسيا. كرست العلوم الاستعمارية جزء لا يستهان به من مجهوداتها لتوضيح وتبيان كل ما من شأنه التمييز بين البربر والعرب ".
وفي ذات الصدد، يشير ليونال غالون بأن "فرنسا قد أعلنت استعدادها التام لتبني سياسة مؤيدة للبربر إلا أنها لم تطبقها إلا نادرا، وإذا كان لها الفضل في تأسيس وتطوير الدراسة العلمية للغتهم، فهي لم تفعل شيء يذكر لتوسيع استعمالها وضمان إصلاحها اللغوي". مما يؤكد وجود استغلال سياسي للمسألة اللغوية في الجزائر لخدمة مشروعها الاستعماري أولا وآخرا.
وكنتيجة منطقية لما سبق ذكره، اعتبر مناضلو الحركة الوطنية الجزائرية والمغربية هذه الدراسات الأمازيغية كجانب من سياسة التفرقة الاستعمارية الهادفة إلى خلق مواجهة بين العرب والأمازيغ، ونددوا بذلك. وعند الاستقلال، وصل الضغط في هذا الميدان إلى درجة عالية، بما في ذلك لدى المثقفين ... بحيث لم يعد واردا، ولو لحظة واحدة، المحافظة على هذا القطاع في الأطر الجامعية كمادة علمية تتطرق إلى إحدى المكونات الموضوعية للواقع السوسيو-ثقافي لبلاد المغرب.
ب‌) اعتبار الدول المستقلة للتعدد اللغوي تهديدا لوحدتها الوطنية:
ينظر عدد كبير من البلدان النامية التي تتوفر على سكان متعددي اللغات إلى مبدأ التنوع اللغوي كتهديد للوحدة الوطنية و "لبناء الوطن". "إن دعم اللغات الإثنية ينظر إليه دائما على أنه تشجيع للانفصال، ففي اغلب البلدان النامية يحصر الدعم المؤسساتي في الإعلام والمدارس والإدارة ...إلخ. في بعض اللغات المهيمنة التي لها تصنيف وطني أو دولي، تاركا في المرتبة الأخيرة أغلبية اللغات المحلية".
وتعتمد هذه المقاربة على أساس فلسفي أوروبي قديم، ويحضرنا في هذا المقام قول الفيلسوف الألماني الكبير فخته "إن الذين يتكلمون لغة واحدة يشكّلون كيانا واحدا متكاملا ربطته الطبيعة بوشائج متينة وإن تكن غير مرئية".
أما في بلاد المغرب، ليست النزعة نحو إلغاء التعددية اللغوية-وفق سالم شاكر-إلا "تجسيد سياسي لاختيارات إيديولوجية قديمة للحركة الوطنية المغاربية (وهي منسجمة في هذا الميدان). فمنذ قيام الحركات الوطنية المغاربية، عُرفت الهوية الوطنية والدول-الأمم (Etat-nations) على أساس أنها عربية – إسلامية، ولهذا التوجيه جذور عميقة ويقوم على أساس انتماءين: النموذج الأسطوري للأمة الإسلامية المنسجمة والمتحدة حول أمير، قائد شرعي لدولة المسلمين، والنموذج الفرنسي للدولة – الوطن المركزية، موحدة لغويا وثقافيا".
وعموما، يمكن القول إذا أن مسألة التنوع الثقافي واللغوي هي في ذات الوقت موضوع تفكير سيء ومنظور إليها سلبيا بحكم تماثلها وتماهيها مع الطائفية، التي يلوّح بشبحها بهدف إبطال مطلب الحقوق الثقافية واللغوية، المفترض تهديدها لوحدة الدول-الأمم.
ولعل أنصار هذا الموقف يستشهدون على صحة موقفهم بناء على ما يؤكده بعض المدافعين عن اللغة الأمازيغية، مثل الراحل مولود معمري الذي صرّح بأنه "يتوجب على البربر حتى يتمكنوا من الارتقاء بلغتهم التمتع بدولة، فبين الثقافة والسياسة علاقة وثيقة. حيث أنه إذا امتلكتَ السلطة السياسية، يمكنكَ مأسسة لغتك وثقافتك، أما إذا كانت السلطة في يد الغير، تستطيع، كحد أقصى الاستمرار في التعبير بلغتك، لكن لن تستطيع أبدا تحويل هذه الأخيرة إلى لغة دولة.
ولعل أنصار هذا الموقف يستشهدون على صحة موقفهم بناء على ما يؤكده بعض المدافعين عن اللغة الأمازيغية، مثل الراحل مولود معمري الذي صرّح بأنه "يتوجب على البربر حتى يتمكنوا من الارتقاء بلغتهم التمتع بدولة، فبين الثقافة والسياسة علاقة وثيقة. حيث أنه إذا امتلكتَ السلطة السياسية، يمكنكَ مأسسة لغتك وثقافتك، أما إذا كانت السلطة في يد الغير، تستطيع، كحد أقصى الاستمرار في التعبير بلغتك، لكن لن تستطيع أبدا تحويل هذه الأخيرة إلى لغة دولة.
5-موقف مختلف الدساتير الجزائرية من الأمازيغية:
أ‌) تعريف الدستور:
• لغة:
يشير طارق حرب أن " لفظة دستور جاءت بصيغة دستور ( Dest war) المشتقة من دست ( Dest )بمعنى القاعدة والأساس والأصل ودور (Dur) بمعنى صاحب الشيء أو المسؤول عنه أو صحاب الأمر النافذ فيه.
ويضيف الباحث نفسه أن "مصطلح دستور في اللغة الإنكليزية والفرنسية Constitution) ) المشتق أصلا من كلمة (constitution) اللاتينية التي تعني التأسيس والإنشاء والتكوين. وإن كان يسمى بالإنكليزية (Organic law) أو ( Basic law) التي تعني القانون الأساس والقانون الأصلي.لذلك سمي الدستور العثماني لسنة 1876 والدستور الملكي المصري قبل 1923 بالقانون الأساس.
• اصطلاحا:
يعتبر موريس دوفيرجيه الدستور "قمة تراتبية الضوابط القانونية: وهذا يعني أن على كل النصوص الأخرى (قوانين، مراسيم، قرارات، الخ) أن تحترمه، تحت طائلة الإلغاء. تعتبر "القوانين الدستورية" –أي النصوص التي يؤلف مجموعها الدستور-متفوقة على القوانين العادية، التي يجب أن تمتثل لأحكامها.
وفي السياق نفسه، يرى عمار عباس أن الدستور هو "القانون الأعلى في المجتمع السياسي، باعتباره مجموعة القواعد القانونية التي تنظم شكل الدولة ونظام الحكم فيها وتبيان السلطات العامة واختصاصاتها والعلاقة فيما بينها، إضافة إلى تحديده لحقوق الأفراد وحرياتهم والوسائل المقررة لحمايتها سواء تواجدت هذه القواعد في الدستور بمفهومه الشكلي، أو في أي مصدر من مصادر القانون الدستوري، حتى ولو كانت قواعد قانونية عرفية".
أما حسن مصطفى البحري فيرى من جهته أن " سلامة القوانين والقرارات ومدى ملائمتها واحترامها في داخل المجتمع تعتمد أساسا على مدى صلابة وملائمة الدستور ذاته، وتنظيماته وما يشتمل عليه من ضمانات وأنظمة".
ب‌) – تطور مكانة الأمازيغية عبر مختلف النصوص الدستورية:
بدأت ترتسم معالم سياسة لغوية وثقافية جديدة بالمغارب في ظل مناخ جديد متسم بالانفتاح الديمقراطي نتيجة الحراك الذي شهدته المنطقة. وتروم هذه السياسة تدبير التنوع الثقافي عموما وتساعد على النهوض بالأمازيغية على وجه الخصوص حيث تبدي الدول المغاربية استعدادها لتأمين ظروف إدماج اللغة والثقافة الأمازيغيتين في السياسات العامة.
لكن هذه السياسة اللغوية الإيجابية تجاه الأمازيغية في الجزائر لم تتهيأ لها الظروف الملائمة لترى النور إلا بعد عدة عقود من نيل استقلالها، حيث تسارعت وتيرة الاعتراف الرسمي بالأمازيغية بداية من تسعينيات القرن المنصرم إلى أن تمّ الاعتراف بها لغة وطنية ورسمية شهر مارس 2016. ويمكن تتبع مسار تناول الدساتير للمسألة اللغوي في الجزائر كالآتي:
لقد كان وضع دستور للبلاد من بين المهام الرئيسية التي كلّف بها المجلس الوطني التأسيسي الذي تم انتخابه بعد الاستقلال مباشرة، فقد صادق على مشروع دستور 1963، والذي وافق عليه الشعب بالاستفتاء في 08 سبتمبر 1963، ثم تلته عدة نصوص دستورية أبرزها تلك التي صدرت سنوات 1976 و1989 و1996.
ونص دستور سنة 1963 في مادته الخامسة على أن "اللغة العربية هي اللغة القومية والرسمية للدولة. أما في مادته الثانية فنص على أن الجزائر " جزء لا يتجزأ من المغرب العربي والعالم العربي وإفريقيا". أما دستور 1976 فأكدّ في مادته الثالثة على أن اللغة العربية " هي اللغة الوطنية والرسمية. تعمل الدولة على تعميم استعمال اللغة الوطنية في المجال الرسمي.
أما دستور 1989 ورغم أنه أكد في مادته الثالثة أن "اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية" إلا أنه أشار في ديباجته إلى أن الجزائر "عرفت في أعز اللحظات الحاسمة التي عاشتها البحر الأبيض المتوسط، كيف تجد في أبنائها، منذ العهد النوميدي، والفتح الإسلامي، حتى الحروب التحريرية من الاستعمار، روادا للحرية، والوحدة والرقي، وبناة دول ديمقراطية مزدهرة، طوال فترات المجد والسلام. " وكانت هذه أول مرة يشير فيها الدستور الجزائري إلى مرحلة ما قبل الفتوحات الإسلامية لبلاد المغرب، وفي ذلك إشارة ضمنية للأمازيغية كبعد من أبعاد الهوية الجزائرية.
ولم تمض سبع سنوات حتى اعترف دستور 1996 صراحة ولأول مرة بالأمازيغية كمكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية، حيث أكد في ديباجته بأن أول نوفمبر 1954 كان "وقطة تحول فاصلة في تقرير مصيرها وتتويجا عظيما لمقاومة ضروس، واجهت بها مختلف الاعتداءات على ثقافتها، وقيمها، والمكونات الأساسية لهويتها، وهي الإسلام والعروبة والأمازيغية. وتمتد جذور نضالها اليوم في شتى الميادين في ماضي أمتها المجيد." فيما نحى في مادته الثالثة نحو الدساتير السابقة باعتباره "اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية".
وخضع دستور 1996 لتعديلين سنة 2002 و2008، نصّ التعديل الأول في المادة 03 على أن "اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية" في حين نصت المادة 03 مكرر على أن "تمازيغت هي كذلك لغة وطنية. تعمل الدولة لترقيتها وتطويرها بكل تنوعاتها المستعملة عبر التراب الوطني. "
أما آخر تعديل دستوري في مارس 2016 فأضاف العديد من المصطلحات والفقرات إلى دستور 1996 وقد تعمّدنا كتابتها بالخط العريض. ففي ديباجته مثلا يؤكد بأن " أول نوفمبر 1954 كان نقطة تحول فاصلة في تقرير مصيرها وتتويجا عظيما لمقاومة ضروس، واجهت بها مختلف الاعتداءات على ثقافتها، وقيمها، والمكونات الأساسية لهويتها، وهي الإسلام والعروبة والأمازيغية، التي تعمل الدولة دوما لترقية وتطوير كل واحدة منها، وتمتد جذور نضالها اليوم في شتى الميادين في ماضي أمتها المجيد" . المادة3: اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية.
تظل العربية اللغة الرسمية للدولة. يُحدث لدى رئيس الجمهورية مجلس أعلى للغة العربية. يكلف المجلس الأعلى للغة العربية على الخصوص بالعمل على ازدهار اللغة العربية وتعميم استعمالها في الميادين العلمية والتكنولوجية والتشجيع على الترجمة إليها لهذه الغاية.
المادة 3 مكرر : تمازيغت هي كذلك لغة وطنية ورسمية. تعمل الدولة لترقيتها وتطويرها بكل تنوعاتها اللسانية المستعملة عبر التراب الوطني.
يحدث مجمع جزائري للغة الأمازيغية يوضع لدى رئيس الجمهورية. يستند المجمع إلى أشغال الخبراء، ويكلّف بتوفير الشروط اللازمة لترقية تمازيغت قصد تجسيد وضعها كلغة رسمية فيما بعد. تحدد كيفيات تطبيق هذه المادة بموجب قانون عضوي.
وإذا ما أجرينا مقارنة بسيطة بين الدستور الجزائري المعدل سنة 2016 مع دساتير دول أوربية "ديمقراطية" عريقة، نجد مثلا أن المادة 2 من الدستور الفرنسي)المعدّل في 25 يونيو 1992 (تنص على أن "لغة الجمهورية الفرنسية هي الفرنسية " وينص الفصل 1 75 )المعدل في 23 يوليوز 2008 ( على أن "اللغات الإقليمية جزء من التراث الوطني » )وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه اللغات غير مذكورة في الدستور) . ولا يمكننا اعتبار هذه الفقرة اعترافا صريحا بهذه اللغات نظرا لما يكتنفها من عمومية.
ويعترف الدستور الإسباني لعام 1978 بأن الثراء الذي ينطوي عليه التنوع اللغوي تراث ثقافي يتعين احترامه وحمايته؛ وينص الدستور أيضا على أن اللغات الأخرى من غير القشتالية،»اللغة الوطنية« لغات رسمية أيضا في مجتمعاتها... واللغات الأخرى، الغاليسية والكتالانية والباسكية، هي أيضا لغات رسمية في مجتمعاتها.
وتستوقفنا هنا عبارة "في مجتمعاتها" أي أن الدستور يضفي على هذه اللغات صفة الإقليمية، الشيء الذي يعزز نزعة كل إقليم إلى الانفصال، وليس أدلّ على ذلك ما يحث حاليا من مطالبة الكاتالان والباسك بالاستقلال عن مدريد. ولعل السبب في ذلك اكتساء هذا الصراع طابعا عرقيا وتركز هذه الأقليات اللغوية في أقاليم محددة، عكس ما هو موجود في الجزائر.


الخاتمة:
1- ترسيم الأمازيغية لا يعني منطقة معينة في الجزائر وهي بالتالي تعزز وتحصن الاستقرار والأمن الهوياتي.
2- تتبوأ الأمازيغية في الدستور المعدل الجديد مكانة لا تتوفر حتى دساتير بعض الدول المتشدّقة بحماية الأقليات اللغوية في العالم.
3- بناء على المعطيات اللسانية والتاريخية والديمغرافية والجغرافية للأمازيغية يظهر جليا أن الاعتراف بها لغة رسمية في التعديلات الدستورية الجديدة تم وفق معطيات موضوعية.
4- لعب سياسات الاستعمار قبل استقلال الجزائر دورا لا يستهان به في رفض الاعتراف بالأمازيغية فيما بعد.
5- عدم وجود خلفية عرقية للأمازيغية في الجزائر يدعم الاستقرار والأمن الهوياتي في الجزائر.
6- إن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية لغة رسمية لا يكفي للرقي بها، ولا يتحقق ذلك إلا إذا استعملت في المعاملات اليومية والمهنية لمستعمليها.


Lien :

Ajouté le: 24-02-19

National communication

الملتقى: اللسانيون العرب نحو تأصيل لنظرية لسانية عربية
محور جهود صالح بلعيد وعبد الجليل مرتاض في الدراسات اللغوية واللسانية.
عنوان المداخلة: جهود صالح بلعيد اللغوية الخاصة بتهيئة اللهجات المازيغية في الجزائر في إطار التعايش اللغوي مع العربية.
ملخص : رغم الإنتاج الغزير للدكتور صالح بلعيد في مجال لسانيات اللغة العربية، إلا أن مجالا هاما استرعى انتباهنا ألا وهو جهوده الخاصة بتهيئة اللهجات الأمازيغية وموقفه من تعايش هذه الأخيرة باللغة العربية، وهو ما نراه خدمة جليلة مقدمة للوطن، بحيث حاول جاهدا من خلال بعض مؤلفاته على غرار : في المسألة الأمازيغية، في الأمن اللّغوي، المازيغيّة في خطر، المازيغيّات، صيانة الوحدة اللغوية الوطنية في مواجهة من يرومون زرع الفرقة بين أفراد شعب ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم، وكان من الشجاعة أن واجه لوحده تقريبا أرمادا من الباحثين في مجال الأبحاث الأمازيغية مرتكزا على الحجة والدليل العلمي مبتعدا عن الخطاب الديماغوجي.















مقدمة:
نجحت لغة القرآن الكريم في تحقيق ما فشلت فيه كل اللغات التي سبقتها إلى بلاد المغرب منذ عصور موغلة في القدم، ويحضرنا في هذا المقام، اعتراف نادر من طرف الدارسين الغربيين على مدى تغلل الإسلام واللغة العربية في بلاد المغرب، حيث يقول إميل فيليكس غوتييه (Emile Félix Gautier) في كتابه ماضي شمال أفريقيا:" إن نتائج الفتح الإسلامي لا تزال تبهرنا بعد مرور اثني عشر قرنا عليها. لقد استعرب المغرب بعمق واعتنق الإسلام بأصالة. وأنها لنتيجة مدهشة لاسيما وأنه ما من فتح آخر في التاريخ كان له هذا الأثر البعيد" وتعايشت على إثر هذا الفتح العربية مع اللهجات الأمازيغية دون صراع يذكر.
ورغم المجهودات الجبارة التي بذلتها السلطات الاستعمارية خلال قرن وثلاثين سنة للزرع بذور الشقاق بين العربية واللهجات الأمازيغية تطبيقا منها لسياسة فرق تسد، لم تجني منها سوى الفشل تلو الفشل بفضل المخلصين لهذا الوطن العزيز.
ورغم خروج الاستعمار الفرنسي ذليلا من الجزائر عام 1962، لم يتخل عن هذه السياسة ودعم المجهودات الخاصة بتهيئة لغة أمازيغية هجينة تختفي منها كل مظاهر الاحتكاك الذي جرى مع اللغة العربية منذ قرون كخطوة أولى ليسهل لهم فيما بعد إطفاء شعلة الإسلام لدى الأمازيغ الذين ساهموا في فتح الأندلس ووصلوا بالفتوحات إلى صقلية وجنوب شرق فرنسا. لكن، وبما أن لكل زمن شرفاء ومخلصين لقضية الوطن وأبنائه، تصدى الأستاذ الدكتور مع ثلة من العلماء لهذه المحاولات، سنحاول التعرض لبعضها من خلال هذه المداخلة.
1- نبذة موجزة عن الأستاذ صالح بلعيد:
صالح بلعيد من مواليد 22/11/1951 في بشلول، ولاية البويرة. الجزائر، تحصل على الشهادات التالية:
- الشهادة الابتدائية، مايو 1968م.
- شهادة التعليم المتوسّط، سبتمبر 1969م.
- شهادة البكالوريا، جوان 1976م.
- شهادة الليسانس، جوان 1983م.
- شهادة الماجستير، 27 جوان 1987م.
- شهادة الدّكتوراه، 13 ديسمبر 1993م.
- أستاذ التّعليم العالي بدءاً من 23 مايو 2000م.
ألّف أزيد من 46 مؤلف، أما المؤلفات المشتركة التي شارك فيها تزيد عن 11 كتاب أما الملتقيات العلمية فقد شارك في أزيد من إلى غاية 2016، كما شارك في فعاليات أزيد من 37 ملتقي وطني إلى غاية مارس 2015، في حين شارك في 61 ملتقى دولي إلى غاية أفريل 2016، أما الأيام الدراسية، فقد شارك في 18 يوم دراسي، فضلا عن ملتقيات مخبر الممارسات اللغوية في مختلف النشاطات العلمية والثقافية و هو الآن رئيس المجلس الأعلى للغة العربية.
2- الدكتور صالح بلعيد وتصحيح مصطلح "الأمازيغية" وفق من منطق لغوي عربي:
يؤكد الأستاذ الدكتور صالح بلعيد في كتابه "المازيغية في خطر" أريد تصحيح كلمة (الأمازيغية). إن أصل الكلمة نسبة إلى (مازيغ بن حام بن كنعان بن مصريم) حسب أكثر الروايات. والنسبة تكون للاسم المجرد كما تقول كتب اللغة. وكلمة (مازيغ) لا نجد في أصلها حرف (الألف) (أ) الهمزة. فحرف الألف (أ) يستعمل في القبائلية للتذكير، فنقول: أعراب/ أقفايلي/ أمغار/ أحولي... والمؤنث منها: ثاعرافث / ثاقفايليث/ ثامغارث / ثاحوليث...فنجد الألف تسقط في التأنيث. فنقول أمازيغ للمذكر ونلحق ببداية الكلمة حرف (ث) الثاء لتصبح مؤنثة: ثامازيغث في البدأ والنهاية. ومثل كلمة: قبايل، فالمذكر منه : أقفايلي والمؤنث ثاقفايليث. مثلما ينسب في العربية لكلمة العرب: عربي للمذكر وعربية للمؤنث. والنسبة تكون للمفرد، وأجازها مجمع اللغة العربية بالقاهرة أن تكون للجمع. ولهذا عندما ننسب كلمة (مازيغ) نقول للمذكر: مازيغي، وللمؤنث: مازيغية، وأل التعريف تلحق بها في قواعد العربية، فنقول: المازيغية دون حرف الألف. ويقول ابن خلدون :"... والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح عليه السلام...وأن اسم أبيهم مازيغ" مقدمة ابن خلدون، ط 1987، الجزء السادس، ص 127. ".
3- اللغات واللهجات المازيغية عند صالح بلعيد:
بداية، يرى الأستاذ صالح بلعيد أنه يمكن إجمال الوضع اللغوي الجزائري كما يلي:
1- اللغات ذات الانتشار الواسع : العاميات أو الدارجات العربية، وهي متنوعة و لكنها تتحكم إلى قواسم مشتركة .
2- اللغات المحلية : الأمازيغية بمختلف تأدياتها ولهجاتها.
3- اللغات الكلاسيكية: العربية الفصيحة واللغة الفرنسية.
ويؤكد الأستاذ الدكتور صالح بلعيد أن المازيغية " لا تشكو قصورا كأداة تواصل قائمة بذاتها، تتوفر بنياتها الصوتية والصرفية والمعجمية والتركيبية على خصائص اللغات الحية، فهي تتفاعل مع غيرها من اللغات المتساكنة في نفس المحيط الثقافي، وإنها ملكة لسانية متميزة. ومصطلح اللغة الأمازيغية افتراضي، لغياب اللغة الجامعة، ولكن تبقى اللهجات البربرية لغات السكان الأصليين لشمال إفريقيا، توارثها الخلف عن السلف، وهي لغات ليبية قدمى."
وأما عن تشعب الأمازيغية إلى لهجات يقول الأستاذ صالح بلعيد "رأينا أن تشعب اللغة إلى لهجات ناتج عن تطور طبيعي للغة ، و لكن هذا لا يعني أن لا يد للإنسان في ذلك ، بل هو قادر على أن يوقف إنشعاب اللغة إلى لهجات أو بالعكس أن يسهم فيه و بشكل كبير ، فاللغة متى توفرت لها " دولة- أمة" موحدة سياسيا و مستقلة ، تعمل على الحفاظ عليها و على ترقيتها تمكنت من البقاء على صورتها الأولى ".
وهو يري أن المسألة " ليست من باب الخلاف في سلم التراتب العلمي بين (اللهجة واللغة) حيث أن التنوعات أو الأداءات التي تعرفها المازيغية شيء طبيعي، وهي عبارة عن أساليب تتحدد بصفات لها علاقة بالمتحدث ومستخدم اللغة. واللغة واللهجة تتكون من كلمات وألفاظ مستقاة من واقع البيئة والحياة المعيشية، وقد تكون متوارثة، وربما تكون فيها كلمات وألفاظ دخيلة... .
مضيفا أن اللغة وسيلة اتصال، واللهجة وسيلة اتصال، والتفريق يتم على مستوى الوظيفة، علما أن اللغة أو اللهجة تحددها شخصية المتحدث والمنطقة التي يقطنها أو الطبقة التي ينتمي إليها المجتمع... والمهم أن اللغة أو اللهجات التي يكتسبها الفرد أو يستخدمها دليل على هويته في المجتمع".
4- موقفه من تعايش العربية مع اللهجات المازيغية :
قبل كل شيء، يؤكد الصالح بلعيد على العلاقة الوطيدة بين اللغة العربية واللهجات المازيغية، حيث يشير إلى صلة القرابة بينها حين يؤكد أن " وهذه اللغات هي على أساس من التقارب الجنسي في اللغات السامية – الحامية ، و تنقسم هذه الأخيرة إلى : العربية / الأسرة المصرية / الأسرة الكوشيتية / الأسرة البربرية / الأسرة التشادية – الحامية .
وفي السياق نفسه، يشير إلى أننا "وإذا عدنا إلى استنطاق التاريخ نجد أن دوام حكم العرب في شمال إفريقيا كان بين 40 هــ إلى 132 هــــ وحتى زمن العباسيين الذين كانوا يحكمون في الظاهر، ولكنهم لا يتحكمون في الدواويين التي كان يسيرها غير العرب، ففي هذه الفترة لم تتبلور المسألة اللغوية، بل لم تطرح المسألة اللغوية بتاتا، ونقرأ في هذا التاريخ أن ثلاث عشرة دولة مازيغية حكمت المغرب الأقصى والأوسط والأدنى منذ الفتح الإسلامي بالعربية التي كانت اللغة الرسمية، وبالمازيغية كانت المعاملات اليومية، وما حدث أن شكلت اللغة عمد هذه الدول قضية، أو شهدت تلك الدول والمماليك الحروب بسبب الخلاف اللغوي، بل إن المماليك البربرية عملت في خطابها الرسمي باللغة العربية، وأعلت مقامها يفوق المازيغية كما أن الملوك المازيغيين، وكذا الدول الثلاث عشرة التي حكمت المغرب العربي منذ الأدارسة إلى دخول العثمانيين ما كان يحكمهم إلا هم وأنسالهم، فالمازيغيون هم الذين عملوا على إعلاء الدين الإسلامي ولغة الدين كما لم يستعملوا الحرف التيفيناغي بتاتا في حكم دولهم، بل كانوا يتخذون الحروف الرومانية قبل الفتح العربي، ولما دخلوا في الإسلام نبذوا الحروف الرومانية، وكذا حروف التيفيناغ واستبدلوهما بالحرف العربي الذي كان يستجيب للتطور الذي تعرفه اللغة المازيغية آنذاك.
و غلبت بغلبة أصحابها الحاملين للدين و الحضارة ، وسادت في كثير من أطراف البلاد وفرضت نفسها لسانا، وبقي اللسان الأمازيغي في الشمال الإفريقي محتميا بالجبال و المناطق الصحراوية مما جعله ينقطع عن المراكز الرئيسية فتحدث القطيعة بين الأهالي ، وينجر عن ذلك لسان ثابت محلي بعيد عن كل عوامل التطور ، حتى أصبحت تكلمات محلية ، و لا يقع التفاهم بين أهاليه الأصليين . ولكن هذه التشكيلة ولّدت تعددا مريحا .
فالازدواجية اللسانية والتي تعني البينية اللغوية والتداخل والاندماج وهي أمور تلقائية منذ الفتوحات فلا قهر لغوي قد أحدث، وإنما حصل الميل لصالح العربية دون كره، فالعربية والأمازيغية لم تصبحا في عرفنا الآن لغة عربية واحدة، ولغة أمازيغية أصلية، فهما من شجرة واحدة، أصبحتا لغتين مندمجتين ومتراكبتين، تجانست بنياتهما المعجمية في ثنائية تحيل إحداهما على الأخرى في سياق اعتراف المجتمع الجزائري بانتمائه إلى مرجعيته الحضارية : الأمازيغية والعروبة والإسلام .
و الفرق بينهما – فيما يرى أستاذنا - في التوزيع الوظيفي فكان بينهما تقسيم أدوار ؛ خط الأصالة في البيت و خط التثاقف في المدرسة ، و بذلك أنتجتا تاريخا و حاضرا مسبوقين للتناغم و الانسجام و الاستقرار اللغوي ، و من وراء ذلك حدثت إستراتيجية التجانب Juxtaposition السلمية مكونة ثقافة إسلامية ركيزتها اللغة العربية ؛ لغة القرآن الكريم.
فالتكامل المازيغي العربي لم يكن في يوم من الأيام يشكل صراعا، بل كان تصاهرا في المتون وفي المفهوم وفي كثير من الجبهات، ويكفينا دليلا على ذلك عدم ترجمة القرآن الكريم إلى المازيغية منذ الفتوحات الإسلامية إلى غاية الألفية الثالثة، وهذا يعني أن حال اللسان الكائن هو حال اللسان الذي يحمله الدين الإسلامي إلى حد بعيد، وأن المازيغيين يفهمون القرآن بلغته العربية أكثر من فهمهم إياه ترجمة إلى المازيغية. وهو اختيار حضاري اختاره البربر تلقائيا وبه تحولوا من مرحلة التهميش إلى مرحلة السيادة الذاتية، ومن مرحلة الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.
ولكن في واقعنا الحالي ظهر ما لم يكن في القديم، حيث تنافست اللغتان بفعل وجود الضرة (الفرنسية) التي تحاول الإخلال بالنسيج الاجتماعي للوطن وتبقى المشكلة قائمة في الأذهان، ولا ندري أين المخرج الآن؟ولذا يجب العلم بأن العقدة في بلدنا في الهيمنة اللغوية التي فرضتها لغة أجنبية، وهي لغة غير مصنفة في العالم المعاصر من حيث الرقمنة والشابكة، ونحن نتمسك بها على أنها لغة الرقي الحضاري، ولا يرشّح العلم إلا منها، ومن لا يستعملها فهو منغلق على نفسه، كأن اللغات الأخرى مغلوقة ومنغلقة عدا الفرنسية التي هي لغة الانفتاح والتفتح، وهنا مكمن القنبلة الآتية والقابلة للانفجار بل الفتيل الذي يجب فكه كي لا يحدث التفرقع.
يجب الاحتراز من كل دعوة تحمل وراءها أبعادا مشبوهة . ففي بلدان المغرب تعايشت الأمازيغيات مع العربية في عهود ما قبل الاستعمار الفرنسي ، قي سُلمية لغوية مختلفة، وما حدث من صراع يذكر إلا بعد الاستعمار الحديث الذي استأصلهما ، و ألجمهما بكل ما أوتي من قوانين و قوة .
5- التهيئة اللغوية للهجات الأمازيغية في ظل التعايش مع اللغة العربية:
يوجد على سطح الأرض ما بين 4000 و5000 لغة مختلفة وقرابة 150 بلد. إن حسابا بسيطا يبين لنا-وفق لويس جان كالفي-بأنه من الوجهة النظرية هناك 30 لغة تقريبا لكل بلد، ولئن كان الواقع ليس تماما على هذا النحو (بعض البلدان تتوفر على عدد قليل من اللغات وبلدان أخرى على عدد أكبر منها)، فإن العالم مع ذلك يظل متعدد اللغات في كل الأمصار وأن الجماعات اللغوية تتعايش وتتضاد باستمرار. وهذا التعدد اللغوي يجعل اللغات دائما في احتكاك.
ويضيف ذات اللغوي بأنه "في الأوضاع الموسومة بالتعدد اللغوي، قد تضطر الدول أحيانا إلى ترقية هذه اللغات المغلوبة على أمرها أو تلك، أو على العكس، قد تجرّد هذه اللغة أو تلك من المنزلة التي تتمتع بها، وباختصار إلى تغيير منزلة ووظائف اللغات الاجتماعية المتعايشة.
ويكمن الهدف الرئيس من تهيئة اللغة – حسب أحمد بوكوس - في "تأمين الملائمة بين حاجيات التواصل والموارد اللغوية المناسبة لتلك الحاجات. وتتخذ تدابير التهيئة اللغوية بصفة عامة شكل معيرة بنيات اللغة. ذلك لأن معيرة اللغة يعني في النهاية توحيد بنياتها، واختزال اختلافات وفوارق بنياتها بإبعاد التواترات غير الوظيفية التي تكون في أحيان كثيرة سببا للّبس، ولصعوبات التفاهم المتبادل في عملية التواصل.
أما فيما يخص الأمازيغية، يؤكد الأستاذ الدكتور صالح بلعيد أنها " تعد في المناطق الناطقة بها لغة أم، رغم محدودية مستعمليها، حيث لا يوظف غيرها، خاصة في الريف وداخل البيوت وعند كبار السن. وبفعل عملية التعريب فإن الأمازيغية تقلص فعلها كلغة استعمال في المحيط حتى في المناطق الأمازيغية، ومع ذلك تتوافق مع مصطلح لغة أم من حيث تطابق الشروط الأساسية لتصنيف اللغة كلغة أم، أضف إلى ذلك فهي لغة وطنية بحكم أصالتها و استعمالها في عديد من المناطق، وبحكم الدستور الذي أقر بها كلغة وطنية . ولكن مصطلح اللغة الوطنية يقتضي عليها أن تكون مكتوبة، ولغة الاستعمال الشفاهي اليومي. وهذا جانب تشتكيه الأمازيغية قي الوقت الحاضر ويعتبر حاجزا يحول دون معياريتها.
ويوصي الأستاذ صالح بلعيد بضرورة النزول إلى الميدان لاجراء البحوث العلمية والتحريات اللغوية في قضية المازيغية، وهنا لب المشكلة، لأن اللغات تستقى من الاستعمال بالفعل والقوة، وهذا ما يوطد ركن اللغة الطبيعية، وهل تستعمل هذه الطريقة في الوصول إلى مازيغية واقعية أو أريد لها التحديث بطريقة يراها البعض ممن يوسمون بالنخبة التي تريد إنشاء مجتمع وفق الطريقة الغربية.
وهذا بالضبط ما يراه لويس جان كالفي حين يؤكد على أن " نحو الاختيارات المخبرية منحى مضادا للتسيير المعيش أو مضادا لأحاسيس الناطقين اللغوية. وهكذا سيكون من الصعب فرض لغة وطنية على شعب ما لا يرغب في ذلك أو يعتقد بأنها ليست لغة وإنما هي لهجة الخ... وقد يكون من قبيل الخطل كذلك السعي إلى فرض لغة أقلية لأداء هذه الوظيفة، إن وجدت بعد لغة مشتركة كثيرة الاستعمال.
وعلى صعيد آخرى، يؤكد الأستاذ صالح بلعيد فيما يخص عملية تهيئة الأمازيغية أن " العاملين على ترقيتها يريدون نزع كل ما له علاقة بهذا الاتصال الطبيعي والتاريخي الذي يوصلها إلى أختها العربية، وتتحكم فيها المدرسة الفرانكوفونية التي توجهها وجهة مضادة . و أنه كان يتمنى " استكناه تراث الأجداد دون تمريره على قوالب لغة ما، وبخاصة لغة المستعمر.
وفي السياق ذاته، يشير إلى أنه " أصبحت مؤخرا متشائما مما يجري حول وضعيات ومواقف تعليم/تعلم اللغة المازيغية، وما يدور حولها من مقاربات تربوية، يكاد بعضها يخرجها من مطلب الهوية والتعليم إلى فسخ وإقصاء لغة تفاعلت معها والانضواء فيها، واختيار لغة أخرى ليس لها معها ما يجمعها، ولا هي من أرومتها، وهي تبعد عنها ثقافة وحضارة، وكأني أُريد لها الانحراف عن وجهتها التفاعلية والعلمية السابقة، واستنساخ بعض الصور منها ويضاف إلى هذا ما تقدمه بعض المؤسسات التربوية من خدمة لها بغيرها وبغير منظورها وليس بمنهجها... ورأيت أن هذا لا يخدم المازيغية من وجهة علمية وحضارية وثقافية.
أ‌- الأمازيغية وكتابتها بالخط العربي:
يرى قدور قادي أن أول مظهر لوضع المعيار في الأمازيغية يتعلق بتوحيد الخط. ولا تطرح هذه العملية أية مشكلة من الناحية الفنية، بل تكمن الصعوبة في مجال مختلف؛ من حيث أنها مرتبطة بالقيم الرمزية والخيالية لطبيعة الحرف".
وفي ذات الصدد، يشير الأستاذ صالح بلعيد أن " اختيار السجل اللغوي لا يكون محايدا ، وكذلك رسم اللغة لا يكون محايدا ، إن الرسم ليس رزمة تلف به أية لغة ، بل هو الهوية و الرمز ، فهل يمكننا كتابة الفرنسية بالحرف العربي أو الصيني ، و هل يسكت أو يرضى الفرنسيون عن هذا الفعل . إن الخط يحمل تراث أمة و فكرها و مجدها ، فاللغة لا تتميز إلا به و عن طريقه تكون .
وهو يرى أن مسألة الخط ضرورية علمية يفصل فيها القرار السياسي، الذي يستند إلى المعطيات التالية:
- التاريخ اللغوي للغة.
- الأبعاد الوطنية: الهوية، التاريخ، الحضارة، التطلعات المستقبلية.
- الحمولة الثقافية للغة.
- التواصل العلمي بين لغة المدرسة الرسمية.
- الانسجام المجتمعي اللغوي للمجتمع.
ومن نفهم لمذا يؤكد الأستاذ صالح بلعيد على مسألة " كتابة المازيغية بحروفها فقط، وإن لم يكن ذلك كذلك فهناك البديل النوعي والذي ارتبطت به في سالف زمانها، وهو الحرف العربي التي سال فيه المداد الكثير، بل كتبت به القراطيس الأولى".
وفي السياق ذاته، يرى أنها إذا " كتبت بحروفها فهي تسعى للمحافظة على شخصيتها ، لأن اللغة لها حروفها التي تعبر عن شخصيتها، فالمكتوب به ليس وسيلة أو رزمة نلف بها أيّة سلعة، بل إن الخط رمز للشخصية، كما أنه حامل لحمولة ثقافية وانتماء حضاري، فبحروفها تبقى، و بالحروف العربية ترقى، وبالحرف اللاتيني تراوح مكانها و ترتبط مجبرة بالفرانكوفولية، حيث تبتعد عن العربية و المحيط وتبقى لغة النخبة والأمر والاستعباد ".
ونجده يعدد أسباب دوافع استعمال الحروف العربية في حال عدم اعتماد حروف التيفيناغ لكابتها، باعتبار القواسم المشتركة بين اللسانين والتداخلات التي حدثت بينهما ، كما أن أول رسم عرفته الأمازيغية بعد التيفيناغ هو الرسم العربي، وكتبت به في المغرب العربي إلى غاية السبعينيات ، باستثناء كتابات المعمرين و ضباط المخابرات الذين يدونونها باللاتينية كما تتجلى قواسم صوتية و دلالية كثيرة في زخم الاحتكاكات اللغوية على مستوى الاستبدالات التي جرت في الساحة اللسانية الجغرافية إلى أن وصلت حد اضمحلال أو ذوبانها في العربية.
ب‌- قضية معجم المفردات العربية في اللهجات الأمازيغية:
يقول رابح كحلوش أن " اللهجات الأمازيغية اقترضت ومن بينها اللهجة القبائلية –حسب رابح كحلوش-نسبة هامة من معجمها من اللغة العربية " لدرجة أنه حاليا 46 بالمائة من المفردات المجرّدة داخل مادة لغوية متمثلة في تسجيل صوتي يدوم حوالي خمس ساعات لمتكلم باللهجة القبائلية أحادي اللغة أصلها عربي. ولم يستثنى أي حقل معجمي بما في ذلك تلك المعروفة بكونها مستعصية على تغلغل الكلمات الأجنبية على غرار أعضاء الجسم، والمصطلحات الفلاحية وغيرها. مثل: الحنك لْحَنْـكْ، الكف لْكفْ، المحراث لْمَحْراث، الحشيش لَحْشِيشْ... إلخ.
ومن جهته، يشير الأستاذ صالح بلعيد إلى أنه "من الطبيعي أن تأخذ من لغة، ومن الطبيعي كذلك أن تتواجد في لغة ألفاظ لغة أجنبية أو رسمية أو وطنية بفعل الاحتكاك الذي يأخذ مجراه بصورة طبيعية وعفوية دون أن يتحكم فيه توجيه ما. ولكن أن ننكر على لغة تواجد كلمات يعني:
- نكران التاريخ المشترك.
- نكران التأثير والتأثر.
- نكران الفضل بين اللغتين.
وهذا يعني العمل على صناعة تلك اللغة التي استبعدنا ألفاظ لغة بغرض سياسي لا علمي، وهنا المطب الذي يعمل بعض الباحثين (وليسوا علميين) من إقصاء كل ما له صلة بالعربية. ويجب العلم بأن قطع الصلة بكل ما له علاقة بالعرب والعربية، والعودة إلى الأصول، وإثارة الفتن وعامل الفرانكوفونية هي إثارات ليست في صالح المازيغية.
وفي ذات الصدد، يضرب الدكتور صالح بلعيد مثلا يإيران حيث " أمر الشاه حذف كل ما له علاقة بالعربية في اللغة الفارسية ، و جاء كتابه بمراسيم لإمضائه ، فحاول قراءتها فلم يستطع ، فاستفسر عن السبب فأجيب : نزعنا كل ما له علاقة بالعربية فهذه هي الفارسية ، فقال : ماذا بقي منها إذن ، اعدلوا عما أمرتكم.
فالسيرورة التاريخية بين العربية والمازيغية –كما يقول - لا بد لها من الاستمرارية التسامحية في إطار التسامح اللغوية أو القبول اللغوي، والذي هو قبول الطرف للطرف الثاني بفعل التاريخ والانصهار الذي حدث بين اللغتين، ولا يعني تسامح الأكثرية أو الأقلية تجاه الطرف الثاني، أو تنازل لغة لصالح لغة، بل هو تسامح يتعلق بتنمية وتدعيم تلك الألفاظ والمسكوكات في الماضي والحاضر، وعدم نكرانها، وهي مفردات في جسم المازيغية والتي أصبحت منها بفعل الاستعمال، فالمازيغية مضطرة لهذا التسامح وإلا انعدمت كلغة.
6- صفات الباحث في تهيئة المازيغية عند الأستاذ الدكتور صالح بلعيد:
يرى أنه لا بد للمختصين بمراعاة ما يلي:
الشهادة الأكاديمية: وهي الشهادة التي لا يطعن فيها، حيث نجد الباحث أنجز دراساته في خصائص المازيغية، وقدم عمله بالمازيغية.
الانجاز العلمي في الاختصاص: كثيرا ما نجد باحثين ليسوا من أهل الاختصاص من خلال الشهادة، لكنهم أبدعوا في ذلك الاختصاص، فهنا يحل لهم أن يفتوا وأن يشرفوا وأن يتابعوا، لأن منتوجهم هو الذي أهلهم لذلك. فهنا لا يحتاد الباحث إلى شهادة أكاديمية تثبت قدرته العلمية في ذلك الحقل، وهو يبدع فيه.
تنص الموسوعات والدراسات الأكاديمية –حسب الأستاذ الدكتور الصالح بلعيد -على أن من تطلق عليه كلمة المختص يجب أن تتوفر فيه ما يلي:
1- الاختصاص في فقه اللغة. وأما الأديب أو باحث في مسألة أدبية ما فهو باحث في الأدب، البلاغة، النقد...وليس مختصا.
2- أن تكون دراساته ومساره التربوي في ذات اللغة منذ المراحل الأولى إلى غاية تخرجه.
3- أن تكون أبحاثه الأكاديمية في اللغة ذاتها.
4- أن تكتب أبحاثه اللغوية بتلك اللغة.
5- أن يدافع عن بحثه أمام لجنة بتلك اللغة.
6- أن ينتج باللغة وفي ذات اللغة منتوجا علميا مقرا به.
وإن المختص في اللغة المازيغية يجب أن تتوفر فيه الشروط المذكورة أعلاه بالإضافة إلى ما يلي:
1- الدراية بمختلف اللهجات المازيغية من حيث الفروق والقواسم المشتركة.
2- الدراية بفقه اللغة المازيغية من حيث النشأة والتطور.
3- الدراية بالعلاقات الثقافية التي عرفتها المازيغية عبر مراحل تاريخها.
4- الدراية بخطها القديم، واستعماله في التدريس.
5- استعماله العفوي بصفة دائمة في كل المرافق.
7-مسائل التهيئة اللغوية عند صالح بلعيد:
فالآن هناك مسائل التهيئة اللغوية، وهي مسائل التحديات المعاصرة في مجال التهيئة الحديثة، من مثل:
- مناهج التحريات اللغوية.
- جمع المادة العلمية لبناء المعاجم.
- جمع الحكايات والأدب الشفاهي.
- العمل على تعميم استعمال المازيغية.
- التجارب الناجحة في التهيئة اللغوية.
- تقديم مشاريع وضع المؤسسات التي تقوم على خدمة المازيغية.
- تقديم تشجيعات للموضوعات ذات العلاقة بالتهيئة اللغوية.
- التفتح على اللغات المازيغية الجزائرية.
- رصد القواسم المشتركة في مختلف الاحتكاكات اللغوية.
- الفصل بشكل نهائي في ضرورة استمال خط التيفيناغ...
الخاتمة:
من خلال ما سبق يظهر لنا حرص الأستاذ الدكتور الصالح بلعيد على التكامل والانسجام بين اللغة العربية واللهجات الأمازيغية وتفادي الصراع اللغوي الذي يدفع إليه بعض المأجورين إليه دفعا لتفكيك المجتمع وخلق شرخ بين أفراد الوطن الواحد، وأظهر بما يدعو للشك غيرته على لغة الدين التي استهدفت من طرف فئة من الباحثين الذين كلفوا بمهمة لم يستطع المستعمر إنجازها ألا وهي دق إسفين بينها وبين اللهجات الأمازيغية التي تعايشت معها لما يزيد عن تسعة قرون.




الهوامش:
صالح بلعيد، المازيغية في خطر، منشورات مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، 2011، ص 38.
أ.د صالح بلعيد ، هويتنا اللغوية : الأمازيغية العربية صراع أم تكامل Revue Campus , édité par la cellule de communication du vice rectorat des relations extérieures et des manifestations scientifiques - Université Mouloud Mammeri de Tizi-Ouzou, Numéro 3 , septembre 2006 , ، ص 49.
صالح بلعيد ، اللغة الأم و الواقع اللغوي في الجزائر، اللغة الأم ، مجلة تتناول مقلات في اللغة الأم ، جماعة من المؤلفين ، الجزائر 2004 ، دار هومة ص 59 .
صالح بلعيد، المازيغية في خطر، منشورات مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، 2011، ص 37.
المرجع نفسه، ص ص 36-37
صالح بلعيد ، في المسألة الأمازيغية ، ط 2 ، الجزائر ، 1999 ، دار هومة ،ص 33.
صالح بلعيد، المازيغية في خطر، منشورات مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، 2011، ص 31.
صالح بلعيد ، اللغة الأم و الواقع اللغوي في الجزائر ، ص 32.
المرجع نفسه، ص ص 31 - 32.
المرجع نفسه، ص 32.
صالح بلعيد، المازيغية في خطر، منشورات مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، 2011، ص 30-31.
المرجع نفسه، ص 32.
صالح بلعيد ، اللغة الأم و الواقع اللغوي في الجزائر ، دار هومة ص 28.
لويس جان كالفي، علم الاجتماع اللغوي، تر: محمد يحياتن، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2006، ص 27.
المرجع نفسه، ص 118.
أحمد بوكوس، مسار اللغة الأمازيغية، الرهانات والاستراتيجيات، تر: فؤاد ساعة، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، د ط، الرباط،2013، ص 275.
صالح بلعيد ، اللغة الأم و الواقع اللغوي في الجزائر ، ص 14.
صالح بلعيد، المازيغية في خطر، منشورات مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، 2011، ص 27.
لويس جان كالفي، علم الاجتماع اللغوي، تر: محمد يحياتن، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2006، ص 113.
صالح بلعيد ، اللغة الأم و الواقع اللغوي في الجزائر ، ص 18.
صالح بلعيد، المازيغية في خطر، منشورات مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، 2011، ص ص 34-35.
المرجع نفسه، ص 7.
Kaddour CADI, « De la langue à lalangue : Ou Tamazight et le paradoxe de la langue introuvable», actes du Colloque international in Unité et diversité de Tamazight, Ghardaïa 20 -21 Avril 1991, Tome I, Agraw Adelsan Amaziɡ /FNACA, Tizi-ouzou, 1992, P ¬¬¬¬¬67.
صالح بلعيد ، اللغة الأم و الواقع اللغوي في الجزائر، ص ص 18 – 19 .
صالح بلعيد، المازيغية في خطر، منشورات مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، 2011، ص ص 45-46.
المرجع نفسه، ص 47.
أ.د صالح بلعيد ، هويتنا اللغوية : الأمازيغية العربية صراع أم تكامل Revue Campus , édité par la cellule de communication du vice rectorat des relations extérieures et des manifestations scientifiques - Université Mouloud Mammeri de Tizi-Ouzou, Numéro 3 , septembre 2006 , ، ص 48 .
صالح بلعيد، اللغة الأم و الواقع اللغوي في الجزائر، دار هومة ص 19.
Rabah KAHLOUCHE, « Les déterminants socio-historique de l’emprunt linguistique du Kabyle (berbère) à l’arabe », Article de linguistique berbère, Mémorial Werner Vycichil, Réunis et édités par Kamal Naït-Zerrad, L’Harmattan, Paris, 2002, P 235.
صالح بلعيد، المازيغية في خطر، منشورات مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، 2011، ص 55.
صالح بلعيد ، اللغة الأم و الواقع اللغوي في الجزائر ، ص 27.
صالح بلعيد، المازيغية في خطر، ص 57.
المرجه نفسه، ص 25.
المرجه نفسه، الصفحة نفسها.
صالح المرجع نفسه، ص ص 25-26.
المرجع نفسه، ص 37.


Lien :

Ajouté le: 24-02-19

International communication

فعالیات الملتقى الدّولي الأوّل
المخطوط العربي
الواقع والآفاق
17 أفریل 2018 - یومي : 16جامعة المسيلة
مداخلة: المخطوطات العربية في منطقة القبائل وظاهرة تعايش اللغة واللهجات العربية مع الأمازيغية – مخطوط الشيخ الحداد أنموذجا-.
لعبت المخطوطات العربية منطقة القبائل التي ألفت في مختلف الرباطات المنتشرة في مختلف أنحاء منطقة القبائل دورا مفصليا في تاريخ المنطقة وتاريخ الجزائر بشكل عام وتخرجت بفضلها نخبة من العلماء الذين حملوا على عاتقهم مهمة نشر الدين الإسلامي الحنيف بين سكان منطقة القبائل كما ساهموا في إثراء اللهجة القبائلية بمصطلحات ومفاهيم جديدة أصبحت متداولة في المنطقة إلى يومنا هذا.
ونظرا لهذا الزخم المعرفي الجديد ظهرت بعض المخطوطات العربية على غرار مخطوط الشيخ الحداد وهو معجم صغير ثنائي اللغة عربي- قبائلي وهو يشكل دليلا على التعايش اللغوي الذي كان سائدا في منطقة القبائل وانعدام التعصب اللغوي لأي شكل من أشكال التعبير اللغوي تعتبر لبنات أساسية للهوية الوطنية الجزائرية وتثبت أن القبائل اهتموا ألفوا معجما يصبوا لتحقيق أهدافا نبيلة تجمع شمل الجزائريين خلافا للمعاجم اللغوية ثنائية اللغة التي ألفها الاستعمار والتي كان تخدم سياسة فرق تسد.
الكلمات المفتاحية: مخطوط عربي- لهجة قبائلية – ثنائية لغوية - تعايش لغوي.
Résumé :
Les manuscrits arabes écrits dans les zaouïas déciminées un peut partout en Kabylie ont joué un rôle primordiale dans l’histoire de la région et de l’Algérie en général ; ils ont contribué à la formation d’une élite de savants en théologie qui ont pris sur eux de propager l’Islam parmi les autochtones. En outre, ils ont enrichi le dialecte kabyle par des termes et des concepts nouveaux qui sont toujours utilisés de nos jours.
En raison de ce nouvel élan cognitif, des manuscrits arabes ont fait leurs apparitions à l’instar de celui du Cheikh Al Haddad, il s’agit d’un petit dictionnaire Arabe-Kabyle qui prouve la cohabitation linguistique pacifique qui régnait en Kabylie autrefois et l’inexistence de l’intolérance linguistique envers toutes les formes d’expression linguistique qui constituent des fondements essentielles de l’identité nationale algérienne et prouve encore une fois que les kabyles ont conçu un dictionnaire pour des fins nobles qui rassemblent et unissent tous les algériens contrairement aux tentatives des linguistes français qui ont conçu des dictionnaire bilingues mais dans l’objectif de diviser pour mieux régner.
Mots clés : manuscrit arabe- dialecte kabyle Kabylie – bilinguisme – cohabitation linguistique.





المداخلة:
لطالما اعتبرت المخطوطات قديما في بلاد المغرب الوسيلة الوحيدة لانتقال المعرفة بين العلماء وطلبة العلم وكثيرا ما عاملها العامة بكثير من الاحترام يصل إلى حد التقديس على اعتبار أنها معظمها يعنى بالعلوم الفقهية التي تسهل عليهم فهم أمور دينهم، كما أن من ألفوها يحتلون مكانة خاصة في قلوبهم فهم كانوا يبجلونهم أيما تبجيل في آخر المطاف ورثة الأنبياء.
ورغم انتشار اللغة العربية بين البربر وتقديسهم لها باعتبارها لغة دينهم، فإن بعضهم قد عبر عن خواطره أحيانا بالبربرية ولكن بحروف عربية، وكان هذا شائعا بين المتعلمين منهم، أي أولئك الذين يريدون أن يوصلوا معلوماتهم إلى قرائهم بالبربرية. فالمؤرخون إلى الآن لم يحلوا لغز الخطبة الشهيرة لطارق بن زياد، هل كانت بالعربية أو بالبربرية، وفي كلتا الحالتين هل كانت شفوية أو مكتوبة ؟ وقد شاع بينهم أن ابن تومرت قد كتب تأليفه (أعز ما يطلب) بالبربرية، التي لعله أحسن بقوته فيها اكثر من العربية التي كان يعرفها جيدا أيضا، أو لعله أراد أن يوصل تعليماته إلى قرائه من البربر أيضا: والواقع أن البربرية لم تكن شاذة في استعارة الحروف العربية واستعمالها في التعبير بها عن أصواتها.
ومهما يكن الأمر فإن بعض الفقهاء من البربر كانت تحملهم الغيرة على الدين إلى محاولة توصيل معلوماتهم إلى قرائهم ليتعلموا أمر دينهم. ومن الكتب المؤلفة على هذا النحو كتاب (الحوض) لصاحبه محمد بن علي بن إبراهيم السوسي... إن (الحوض) كتاب في الفقه على غرار رسالة ابن أبي زيد القيرواني. ألفه السوسي بالبربرية وبحروف عربية، وجعله نظما حيث بلغ جزأه الأول 960 بيتا.
وفي السياق نفسه، يقول الأستاذ صالح بلعيد أن " الازدواجية اللسانية و التي تعني البينية اللغوية و التداخل و الاندماج و هي أمور تلقائية منذ الفتوحات فلا قهر لغوي قد أحدث، وإنما حصل الميل لصالح العربية دون كره، فالعربية والأمازيغية لم تصبحا في عرفنا الآن لغة عربية واحدة، ولغة أمازيغية أصلية، فهما من شجرة واحدة، أصبحتا لغتين مندمجتين و متراكبتين، تجانست بنياتهما المعجمية قي ثنائية تحيل إحداهما على الأخرى في سياق اعتراف المجتمع الجزائري بانتمائه إلى مرجعيته الحضارية : الأمازيغية والعروبة و الإسلام . ولعل هذا المخطوط الذي ألفه زعيم روحي جزائري وقائد عسكري فذ لدليل على ما قاله الدكتور صالح بلعيد الذي بالمناسبة حقق ذات المخطوط.
ويضيف ذات الباحث أن " الفرق بينهما في التوزيع الوظيفي فكان بينهما تقسيم أدوار؛ خط الأصالة في البيت وخط التثاقف في المدرسة، وبذلك أنتجتا تاريخا و حاضرا مسبوقين للتناغم والانسجام والاستقرار اللغوي، ومن وراء ذلك حدثت إستراتيجية التجانب Juxtaposition السلمية مكونة ثقافة إسلامية ركيزتها اللغة العربية؛ لغة القرآن الكريم".
وحتى الباحثون المتأثرون بالدراسات الغربية يقرون بمنزلة ومكانة اللغة العربية ومدى تأثيرها الراسخ في الوضعية اللغوي لبلاد المغرب بشكل عام، حيث نجد سالم شاكر يؤكد أنه "فمنذ أكثر من 13 قرنا والبربرية في اتصال دائم مع اللغة العربية، ومن الجلي أن هذا الاتصال هو اتصال من نوع خاص وهو بدون أدنى شك أكثر وثاقة من المبادلات التي حدثت في مراحل سابقة (خاصة مع البونيقية واللاتينية)، حيث يمكن اعتبارها اللغة الوافدة الوحيدة التي استطاعت أن تترسخ في بلاد المغرب".
1- أهمية مخطوط الشيخ الحداد:
للمخطوطات أهمية كبيرة لدى كل الأمم التي عرفت في يوم ما حضارة أشعت في حقبة زمنية معينة ما علما استفاد منه من حولها من شعوب متخلفة عن ركب الحضارة، فهي تعتبر دليلا لا نقاش فيه حول عراقتها وتاريخها لأنها تحمل بين ثناياها علم وثقافة الأمة،
يلخص محقق المخطوط الدكتور صالح بلعيد أهمية المخطوط في النقاط التالية :
1- هذا المعجم يشكل قيمة معرفية وتاريخية لا يستهان بها، إذ يعد من المحاولات المعجمية القليلة التي حاولت أن تقيم جسور التواصل والتزاوج بين اللغتين العربية والقبائلية، وذلك بتقريب الأولى إلى أذهان الناطقين بالثانية.
2- كما حفظ لنا المعجم العديد من الاستعمالات القديمة للقبائلية التي لم يعد لها تداول في وقتنا الحالي، وهذا دون أن ننسى اعتبار المعجم وثيقة تاريخية أرخت للواقع اللغوي في عصر المؤلف، ليميط اللثام عن جانب مهم من حياة الإنسان القبائلي في تلك الفترة.
3- وإن المعجم يعد لبنة طيبة يؤسس لبناء صرح معجمي للغتين العربية والمازيغية، إذ رغم التاريخ الطويل والمشترك الذي جمع بين اللغتين، إلا أنهما تبقيان تفتقران إلى معاجم تدرس مختلف الظواهر اللغوية التي أفرزها هذا التزاوج الذي جمع بينهما على مدى قرون طويلة، وهذا الأمر وإن حصل سيكون بمثابة رد قاطع على كل مشكك يحاول افتعال وجود تصادم بين هاتين اللغتين.
2- وصف المخطوط:
يتكون هذا المعجم الصغير على مئة ورقة (100) منها ستة وستون 66 ورقة مكتوبة، والباقي فارغة في المخطوط الأصلي، وهي النسخة الأصلية الوحيدة التي تحصلنا عليها، وليس لها مثيل، لأن أصل التحقيق يعتمد على الأقل نسختين.
أما الكلمات المترجمة من القبائلية إلى العربية عددها تسع مائة وخمسة وأربعين كلمة 945 منها الأسماء والصفات والفروع والألوان، وبعض الأسماء المناخية، والأراضي والسموات، وما إلى ذلك، أما اللغة المستعملة فهي عربية دارجة إلا قليل من الألفاظ فهي باللغة العربية الفصحى، كما فصلت بين الحيوانات الأليفة والحيوانات البرية، وكذا المتوحشة، وذكر الحشرات النافعة والضارة، لنميز بين النحل واليعسوب، والطيور كالحمام والنسر، والأشجار المثمرة وغير المثمرة، والأدوات المستعملة في الفلاحة والصناعات التقليدية كالنسيج، وبعض الأكلات الشعبية الخاصة بمنطقة القبائل. (ص 8 )
الخاتمة بين المؤلف فيها ترجمة الكلمات من القبائلية إلى العربية، ثم نبه القارىء إلى كيفية قراءة الكلمات، وتعليم الحروف الهجائية، ونطقه+ا لتسهيل مهمة الكتابة والقراءة، وتمنى كل التوفيق والاستعانة بالله العلي القدير.
3- رمزية كتابة القبائلية بالحروف العربية في مخطوط الشيخ الحداد:
يؤكد مبارك الميلي أنه " ليس للبربر في القديم نظام في الكتابة: يكتبون من اليمين إلى اليسار، و من اليسار إلى اليمين، و من أعلى إلى أسفل، و من أسفل إلى أعلى. و لما جاء العرب أثروا بنظامهم فصاروا يكتبون من اليمين إلى اليسار . و بطول المدة نسي المختلطون بهم الحروف البربرية وصاروا يكتبون لغتهم بحروف عربية. و لم تعش حروفهم إلا بين الملثمين في مجاهل الصحراء فإنهم لا يزالوا يكتبون بها إلى هذا العهد.
وفي ذات السياق، يشير عثمان الكعاك أن هذه اللغة "بقيت بعد الإسلام. وبعد إسلام البربر الذي حسن منذ القرن الأول، وعدلت في الغالب عن الخط اللوبي القديم وكتبت بالحرف العربي، كتبت به تصانيفها الدينية الإسلامية، وشعرها وحكاياتها ونوادرها ودرس المسلمون هذه اللغة العجيبة وصنفوا كتبا في المقارنة بينها وبين العربية والعبرانية، وألفوا معاجم لها وللعربية معا، واعتنى أصحاب المعاجم النباتية من الغافقي إلى ابن الجزار إلى ابن بيطار بإيراد التسميات البربرية للنباتات التي يصفونها وبقيت هذه اللغة لغة البلاط في الأسر المالكة البربرية من صنهاجيين وحفصيين وحماديين وزناتيين ومرابطين وموحدين.
ويوصي صالح بلعيد بكتابة الأمازيغية بالحروف العربية في حال لم تعتمد حروف التيفيناغ وذلك نظرا " للقواسم المشتركة بين اللسانين والتداخلات التي حدثت بينهما، كما أن أول رسم عرفته الأمازيغية بعد التيفيناغ هو الرسم العربي، وكتبت به في المغرب العربي إلى غاية السبعينيات، باستثناء كتابات المعمرين وضباط المخابرات الذين يدونونها باللاتينية كما تتجلى قواسم صوتية ودلالية كثيرة في زخم الاحتكاكات اللغوية على مستوى الاستبدالات التي جرت في الساحة اللسانية الجغرافية إلى أن وصلت حد اضمحلال أو ذوبانها في العربية".
فضلا عن ذلك، يقول عز الدين المناصرة أن "الأمازيغية تفاعلت مع اللغة العربية، طيلة خمسة عشر قرنا قد امتصت آلاف الكلمات والصيغ، كذلك تأثرت العربية العامية الجزائرية، بالصيغ الأمازيغية، فإن الحل الثاني المقترح – بعد حل كتابتها بالتيفيناغ- هو أن تكتب الأمازيغية بحروف عربية لعدة أسباب منها :
1- اللغة ليست محايدة و الحروف و شكلها ليس محايدا ، فكتابتها بحروف عربية يساهم في التقارب الأخوي بين العرب و الأمازيغ من الناحية الوطنية و السايكولوجية.
2- أقرب مصدر للأمازيغية (حروف التيفيناغ التواركية) هو اللغة الكنعانية الفينيقية القرطاجية . فالمصدر الأساسي للأمازيغية إذن هو الألفبائية الكنعانية التي تفرعت منها كل لغات العالم.
4- المخطوط وظاهرة الاقتراض من اللغة العربية:
لا شك أن أي لغة لا يمكن أن تكتفي بما ورثته من كلمات و ألفاظ. بل تفرض عليها الحاجات المستجدة و التحولات و التطورات المستمرة اللجوء إما إلى الإبداع و التوليد المعجمي أو الاقتراض من اللغات الأخرى مع تكييف ما تم اقتراضه مع المعطيات الصواتية الخاصة بها.
" إن التفاعل بين اللغات ينتقل من اللغات المهيمنة إلى اللغات المهيمن عليها على شكل اقتراض المعجمي، ويحفزه هذا الأخير في الغالب وجود فراغات معجمية•، و كذا العوامل اللسانية الداخلية على غرار الحاجة إلى مرادفات أو ضعف تردد •بعض الفونيمات، فضلا على العوامل غير اللغوية مثل ضعف التطور التكنولوجي وكذا السيطرة الإعلامية .
لم يقتصر الاقتراض الكثيف للألفاظ العربية من قبل كل اللهجات الأمازيغية في شمال إفريقيا بدون استثناء، على المفاهيم الجديدة على غرار المفاهيم الدينية للإسلام، لكن تعداه ليشمل مجالات أخرى. ذكر منها سالم شاكر:
- الحياة الروحية والدينية (حيث المفردات مقترضة بشكل مكثف من قبل اللهجات الثلاث).
- النشاطات الاقتصادية (المتعلقة بالتبادلات التجارية) ، الشيء الذي يفسر التعريب القديم للأرقام في اللهجة القبائلية و في أغلبية اللهجات " المتوسطية ".
- النشاطات الفكرية.
- المصطلحات الشاملة (المصطلحات التي يشمل معناها عدة كلمات).
كانت اللغة الأمازيغية وعلى مدى آلاف السنين على اتصال دائم مع لغات ناقلة أخرى على غرار البونيقية، اللاتينية، العربية، الفرنسية والإسبانية. من بين كل هذه اللغات، تعتبر اللغة العربية أكبر من أثر فيها خاصة في المستوى المعجمي.
يتساءل هنري باسي " هل اللغة البربرية هي لغة غير متبلورة، محكوم عليها بالخضوع لكل التأثيرات الأجنبية بدون أن تحرك ساكنا؟" لكنه يجيب بالنفي ويقول: " هنا تكمن أكثر سماتها إثارة للاهتمام؛ حيث ورغم أنها تمتص كلمات أجنبية بسخاء، مانحة لها الأفضلية لدرجة أنها تهمل ألفاظها الأكثر تداولا من أجل هذه الكلمات، تتبناها كألفاظها الخاصة من خلال إلباسها حلة بربرية."
و يبدو هنـا أن اللهجات الأمازيغيـة " كيّفت " و"بربرت" أو "مزغت" بسهولـة عددا من المفردات والأصوات الأجنبية، إذ نجد فيها كلمات لاتينيـة على غرار الروضا (Rota) وهي العجلة و الريبا (Ripa) وهو المنحدر وأورثو (Hortus) و هو البستان (35 % من القاموس القبائلي عبارة عن كلمات عربية) إلى جانب كلمات فرنسية و اسبانية ...الخ .
وهكذا يؤكد محمد علي دبوز في كتابه تاريخ المغـرب العربي أن اللغة العربية كانت لانتشارها، واصطباغ الألسن في الدولة الرستمية بها. قد فاضت على اللغة البربرية فمازجتها. ودخل فيها كثير من الألفاظ العربية. فترى لغة أهل المدن سيما العلماء إذا تكلموا بالبربرية ثلث ألفاظها عربية قد تبربرت.
لعل ذلك مردّه أن اللغة البربرية " سلسة مرنة ، تقبل كل الألفاظ الدخيلة فتبربرها فتصبح جزءا منها ، فاللغة البربرية فيها كل العناصر التي تتركب منها العربية ففيها الاسم و الفعل والحرف وفيها أساليب العربية من نظم و نثر ومن حقيقة ومجاز.
ويمكن التأكد من المعطيات السابقة من خلال المفردات الواردة في معجم الشيخ الحداد كالآتي:
مثل:
الغزال لَغْزالْ ثاغْزالْتْ
الجراد أجْرَاذْ.
الطيور لْطْيور
البردعة ثَبَرْذَا
البلوط أبّلوطْ
خاتمة:
رغم الدور الهام الذي لعبته المخطوطات العربية في منطقة شمال إفريقيا كحافظة لمختلف العلوم الدينية والدنيوية على غرار الفقه والتفسير والفلك وغيرها يبقى المخطوط الذي تناولناه بالدراسة في هذه المداخلة يشكل مصدرا مهما يجب أن يستفيد منه علماء اللهجات والتهيئة اللغوية لدراسة اللهجات العربية والأمازيغية دراسة تاريخية مقارنة فضلا عن اثراء معجم اللغة الأمازيغية المشتركة لتستفيد من هذا المعجم اللغوي.






الهوامش:
أبو القاسم سعد الله، أبحاث و آراء في تاريخ الجزائر ، ج 4 ، ط1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، 1996 ، ص ص 206-207.
المرجع نفسه، ص 207 .
صالح بلعيد ، مقالة : اللغة الأم و الواقع اللغوي في الجزائري، اللغة الأم ، مجلة تتناول مقلات في اللغة الأم ، جماعة من المؤلفين ، الجزائر 2004 ، دار هومة ص ص 31 - 32.
المرجع نفسه، ص 32.
Salem Chaker, Manuel de linguistique berbère– ll Syntaxe et diachronie, Alger : 1996, ENAG Editions. P. 117.
المعجم العربي المازيغي، معجم الشيخ محمد أمزيان الحداد، حققه الأستاذان الدكتور صالح بلعيد والدكتور بلقاسم منصوري، منشورات "مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر"، 2012، ص 7.
المرجع نفسه، ص 8.
المرجع نفسه، ص 10.
مبارك بن محمد الميلي، تاريخ الجزائر في القديم والحديث، ج 1، المؤسسة الوطنية للكتاب، د ط، الجزائر، 1989، ص 121.
عثمان الكعاك، البربر، منشورات تاوالت، أعده للنشر تامغناست، دون ذكر البلد، د ط، دت ، ص 79 .
صالح بلعيد ، اللغة الأم و الواقع اللغوي في الجزائر ،ص 19.
عز الدين المناصرة، المسألة الأمازيغية في الجزائر والمغرب، إشكالية التعددية اللغوية، دار الشروق للنشر والتوزيع، ط 1، عمان، الأردن ،1999، ص ص 69 – 70.
المرجع السابق، ص ص 75 – 76.
محمد أوسوس، أماوال نئمودن، معجم حيواني (فرنسي-أمازيغي-عربي) مؤسسة تاوالت الثقافية، كاليفورنيا، د ت، ص 23.
• الفراغ المعجمي : عدم وجود كلمة واحدة في لغة ما لتدل على شيء معين مما يضطر متكلمو هذه اللغة إلى استعمال عبارة أو جملة للدلالة على هذا الشيء .
• تردد : يقصد به عدد المرات التي يتكرر فيها اهتزاز الوترين الصوتيين ، أو عدد ذبذبات الموجات الصوتية في ثانية من الوقت.
Ahmed Boukous , L’emprunt linguistique en berbère , dépendance et créativité , Etudes et documents berbères 6, La boite à document, Paris, 1986,P 08.
Salem Chaker, Manuel de linguistique berbère– ll Syntaxe et diachronie, P. 118.

Michel Quitout, Grammaire berbère (rifain, tamazight, chleuh, kabyle), Paris : 1997, L’harmattan. P. 28.
Henri Basset, Essai sur la littérature des berbères, Paris : 2001, Ibis Press, P. 26.
محمد العربي عقون ، الأمازيغ عبر التاريخ، نظرة موجزة في الأصول و الهوية . ط1 . الرباط : 2010، التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، ص ص 31-32.
محمد علي دبوز ، تاريخ المغرب العربي ، الجزء الأول ، كاليفورنيا : 2010 ، مؤسسة تاوالت الثقافية ، ص 366 .

المرجع نفسه ، ص 52 .


Lien :

Ajouté le: 04-03-19

National communication

ندوة التراث الجزائري المخطوط: المنجز والمأمول
تاريخها: 26 أبريل 2018 : جامعة أبي بكر بلقايد -تلمسان

المداخلة بقلم الدكتور: سمير براهم – جامعة محمد بوضياف – المسيلة.
عنوان المداخلة: أهمية المخطوطات الجزائرية المدونة باللهجات الأمازيغية بين الأمس واليوم.
الملخص:
رغم الأهمية الكبرى التي تكتسيها دراسة وتحقيق المخطوطات المدونة بمختلف اللهجات الأمازيغية وفي شتى المجالات العلمية والدينية بالجزائر أو بالدول المغاربية بشكل عام، خاصة فيما يخص الحفاظ على التراث الثقافي الغني الذي تكتنزه بين ثناياها أو نظرا للرصيد اللغوي الذي يمكن أن تساهم به في تهيئة اللغة الأمازيغية في كل من المعجم اللغوي أو الحروف العربية المستعملة في كتابتها، غير أن المختصين لم يولوها إلى يومنا هذا الأهمية التي تستحق باستثناء بعض المجهودات المتفرقة على غرار تحقيق مخطوط الشيخ الحداد مؤخرا من طرف الأستاذ صالح بلعيد التي- رغم أهميتها - لا تعدو أن تكون محاولات يائسة لانقاذ ما يمكن انقاذه من براثن الزمن الذي يهدد بضياع مكتبات نفيسة من المخطوطات القيمة.
لكن الفرنسيين أمثال هنري باسي وموتيلينسكي Motylinski, تفطنوا لهذه القضية منذ أزيد من قرن من الزمن وقد اهتموا برصد تواجد هذه المخطوطات لدى الناطقين بالأمازيغية في كل أقطار بلاد المغرب وتصنيفها وفق محتوياتها وذلك لأسباب يعلمها الداني والقاصي يمكن تلخيصها في خدمة المشاريع الاستعمارية لفرنسا. لكن، هل يمكننا اليوم الاستفادة من هذه الأبحاث التي قاموا بها بغض النظر عن أهدافهم؟، ألا يعتبر رصد هذه المخطوطات خطوة أولى لتحقيق ودراسة ما بقي منها؟ أليس من الممكن الاستفادة منها في الدراسات اللغوية الأمازيغية من الناحية التعاقبية والتاريخية والاستفادة منها في استحداث لغة أمازيغية مشتركة. سنحاول من خلال هذه الورقة البحثية الإجابة عن هذه التساؤلات، فضلا عن تقديم عرض حال عن واقع تحقيق ودراسة المخطوطات المدونة بالأمازيغية بالجزائر حاليا ومعوقاته.
الكلمات المفتاحية: مخطوط – تحقيق – لهجات أمازيغية – تراث.


Abstract :
Despite the great importance granted to the studies and authentification of the manuscripts written in different amazigh dialects and in several scientific and religious fields especially in Algeria and in the Maghreb in general. Above all preserving the rich cultural patrimony within their bowels or for their linguistic potential wich can play a great part in linguistique planning, either in lexicon or in the choice of graph. but the specialist dont spar enought efforts it deserve, except some personal initiatives for instance : the endeavor of professor Salah Belaid who recently authentfied the manuscript of Cheikh Al Haddad, but in spite of it imporatnce, it remain a desperat attempt to save what could be saved from the claws of the time who indermine seriously the very existence of a valuabe libraries of precious manuscripts.
But the french researchers such as Henri Besset and Adolphe Motylinsky understood the importance of this issue since last century , and they were interested in the localisation of these manuscripts in the amazigh regions wich belong to the Maghreb contry and they classified them according to their contents. Theire objective was clear for everybody : serving the purposes of french imperialism. But, could we make advantage from these studies regardless the aim of their authors ? Is the localisation of these manuscripts the first step to authentify and study what left from them ? is it possible to make profit from these researches to implement amazigh linguistic studies in the synchronic and diachronique fields and used them to creat a common amazigh language. We will try in this research papper to answer the precedent questions, and to draw a portrait of the situation of authentification and studies of manuscript written in amazigh dialects in algeria and the the most important handicaps.
key words : Manuscript–Authetification – Amazigh dialects – Patrimony.
مقدمة:
استحوذ البحث عن المخطوطات العربية في الجزائر على الحصة الأكبر من اهتمام الباحثين والمحققين الذي لم يعيروا اهتماما كبيرا للمخطوطات الأمازيغية المدونة بالعربية رغم أن هذه الأخيرة تنتمي للفضاء الثقافي الجزائري مثلها مثل المخطوطات العربية، فهي تحمل في طياتها كنزا معرفيا وتراثا ثقافيا لا يقدر بثمن، وباستثناء بعض المحاولات المتفرقة، لا تبذل مجهودات كافية لاستغلاله خاصة في إطار المساعي الحثيثة لتهيئة لغة أمازيغية مشتركة يستعملها مختلف مستعملي اللهجات الأمازيغية عبر الوطن، وذلك بعد أن أقر الدستور الجزائري الأمازيغية لغة وطنية ورسمية. ومن هنا نطرح الإشكالية التالية: كيف يمكن استغلال دراسة المخطوطات الأمازيغية المدونة بالعربية لتهيئة اللغة الأمازيغية؟
1- أهمية المخطوطات لحفظ التراث الثقافي:
لطالما اعتبرت المخطوطات قديما في بلاد المغرب الوسيلة الوحيدة لانتقال المعرفة بين العلماء وطلبة العلم وكثيرا ما عاملها العامة بكثير من الاحترام يصل إلى حد التقديس على اعتبار أنها معظمها يعنى بالعلوم الفقهية التي تسهل عليهم فهم أمور دينهم، كما أن من ألفوها يحتلون مكانة خاصة في قلوبهم فهم كانوا يبجلونهم أيما تبجيل في آخر المطاف ورثة الأنبياء.
ورغم انتشار اللغة العربية بين البربر وتقديسهم لها باعتبارها لغة دينهم، فإن بعضهم قد عبر عن خواطره أحيانا بالبربرية ولكن بحروف عربية، وكان هذا شائعا بين المتعلمين منهم، أي أولئك الذين يريدون أن يوصلوا معلوماتهم إلى قرائهم بالبربرية. فالمؤرخون إلى الآن لم يحلوا لغز الخطبة الشهيرة لطارق بن زياد، هل كانت بالعربية أو بالبربرية، وفي كلتا الحالتين هل كانت شفوية أو مكتوبة ؟ وقد شاع بينهم أن ابن تومرت قد كتب تأليفه (أعز ما يطلب) بالبربرية، التي لعله أحسن بقوته فيها اكثر من العربية التي كان يعرفها جيدا أيضا، أو لعله أراد أن يوصل تعليماته إلى قرائه من البربر أيضا: والواقع أن البربرية لم تكن شاذة في استعارة الحروف العربية واستعمالها في التعبير بها عن أصواتها.
ومهما يكن الأمر فإن بعض الفقهاء من البربر كانت تحملهم الغيرة على الدين إلى محاولة توصيل معلوماتهم إلى قرائهم ليتعلموا أمر دينهم. ومن الكتب المؤلفة على هذا النحو كتاب (الحوض) لصاحبه محمد بن علي بن إبراهيم السوسي... إن (الحوض) كتاب في الفقه على غرار رسالة ابن أبي زيد القيرواني. ألفه السوسي بالبربرية وبحروف عربية، وجعله نظما حيث بلغ جزأه الأول 960 بيتا.
وفي السياق نفسه، يقول الأستاذ صالح بلعيد أن " الازدواجية اللسانية والتي تعني البينية اللغوية و التداخل و الاندماج وهي أمور تلقائية منذ الفتوحات فلا قهر لغوي قد أحدث، وإنما حصل الميل لصالح العربية دون كره، فالعربية والأمازيغية لم تصبحا في عرفنا الآن لغة عربية واحدة، ولغة أمازيغية أصلية، فهما من شجرة واحدة، أصبحتا لغتين مندمجتين و متراكبتين، تجانست بنياتهما المعجمية قي ثنائية تحيل إحداهما على الأخرى في سياق اعتراف المجتمع الجزائري بانتمائه إلى مرجعيته الحضارية : الأمازيغية والعروبة و الإسلام . ولعل هذا المخطوط الذي ألفه زعيم روحي جزائري وقائد عسكري فذ لدليل على ما قاله الدكتور صالح بلعيد الذي بالمناسبة حقق ذات المخطوط.
ويضيف ذات الباحث أن " الفرق بينهما في التوزيع الوظيفي فكان بينهما تقسيم أدوار؛ خط الأصالة في البيت وخط التثاقف في المدرسة، وبذلك أنتجتا تاريخا و حاضرا مسبوقين للتناغم والانسجام والاستقرار اللغوي، ومن وراء ذلك حدثت إستراتيجية التجانب Juxtaposition السلمية مكونة ثقافة إسلامية ركيزتها اللغة العربية؛ لغة القرآن الكريم".
وحتى الباحثون المتأثرون بالدراسات الغربية يقرون بمنزلة ومكانة اللغة العربية ومدى تأثيرها الراسخ في الوضعية اللغوي لبلاد المغرب بشكل عام، حيث نجد سالم شاكر يؤكد أنه "فمنذ أكثر من 13 قرنا والبربرية في اتصال دائم مع اللغة العربية، ومن الجلي أن هذا الاتصال هو اتصال من نوع خاص وهو بدون أدنى شك أكثر وثاقة من المبادلات التي حدثت في مراحل سابقة (خاصة مع البونيقية واللاتينية)، حيث يمكن اعتبارها اللغة الوافدة الوحيدة التي استطاعت أن تترسخ في بلاد المغرب".
3-أهمية المخطوطات الأمازيغية المدونة بالحرف العربي في تهيئة اللغة المشتركة:
أ‌- مستوى الخط:
يؤكد مبارك الميلي أنه " ليس للبربر في القديم نظام في الكتابة: يكتبون من اليمين إلى اليسار، و من اليسار إلى اليمين، و من أعلى إلى أسفل، و من أسفل إلى أعلى. و لما جاء العرب أثروا بنظامهم فصاروا يكتبون من اليمين إلى اليسار . و بطول المدة نسي المختلطون بهم الحروف البربرية وصاروا يكتبون لغتهم بحروف عربية. و لم تعش حروفهم إلا بين الملثمين في مجاهل الصحراء فإنهم لا يزالوا يكتبون بها إلى هذا العهد.
وفي ذات السياق، يشير عثمان الكعاك أن هذه اللغة "بقيت بعد الإسلام. وبعد إسلام البربر الذي حسن منذ القرن الأول، وعدلت في الغالب عن الخط اللوبي القديم وكتبت بالحرف العربي، كتبت به تصانيفها الدينية الإسلامية، وشعرها وحكاياتها ونوادرها ودرس المسلمون هذه اللغة العجيبة وصنفوا كتبا في المقارنة بينها وبين العربية والعبرانية، وألفوا معاجم لها وللعربية معا، واعتنى أصحاب المعاجم النباتية من الغافقي إلى ابن الجزار إلى ابن بيطار بإيراد التسميات البربرية للنباتات التي يصفونها وبقيت هذه اللغة لغة البلاط في الأسر المالكة البربرية من صنهاجيين وحفصيين وحماديين وزناتيين ومرابطين وموحدين.
ويوصي صالح بلعيد بكتابة الأمازيغية بالحروف العربية في حال لم تعتمد حروف التيفيناغ وذلك نظرا " للقواسم المشتركة بين اللسانين والتداخلات التي حدثت بينهما، كما أن أول رسم عرفته الأمازيغية بعد التيفيناغ هو الرسم العربي، وكتبت به في المغرب العربي إلى غاية السبعينيات، باستثناء كتابات المعمرين وضباط المخابرات الذين يدونونها باللاتينية كما تتجلى قواسم صوتية ودلالية كثيرة في زخم الاحتكاكات اللغوية على مستوى الاستبدالات التي جرت في الساحة اللسانية الجغرافية إلى أن وصلت حد اضمحلال أو ذوبانها في العربية".
فضلا عن ذلك، يقول عز الدين المناصرة أن "الأمازيغية تفاعلت مع اللغة العربية، طيلة خمسة عشر قرنا قد امتصت آلاف الكلمات والصيغ، كذلك تأثرت العربية العامية الجزائرية، بالصيغ الأمازيغية، فإن الحل الثاني المقترح – بعد حل كتابتها بالتيفيناغ- هو أن تكتب الأمازيغية بحروف عربية لعدة أسباب منها :
1- اللغة ليست محايدة و الحروف و شكلها ليس محايدا ، فكتابتها بحروف عربية يساهم في التقارب الأخوي بين العرب و الأمازيغ من الناحية الوطنية و السايكولوجية.
2- أقرب مصدر للأمازيغية (حروف التيفيناغ التواركية) هو اللغة الكنعانية الفينيقية القرطاجية . فالمصدر الأساسي للأمازيغية إذن هو الألفبائية الكنعانية التي تفرعت منها كل لغات العالم.
ب‌- مستوى المعجم:
لا شك أن أي لغة لا يمكن أن تكتفي بما ورثته من كلمات و ألفاظ. بل تفرض عليها الحاجات المستجدة و التحولات و التطورات المستمرة اللجوء إما إلى الإبداع و التوليد المعجمي أو الاقتراض من اللغات الأخرى مع تكييف ما تم اقتراضه مع المعطيات الصواتية الخاصة بها.
" إن التفاعل بين اللغات ينتقل من اللغات المهيمنة إلى اللغات المهيمن عليها على شكل اقتراض المعجمي، ويحفزه هذا الأخير في الغالب وجود فراغات معجمية•، و كذا العوامل اللسانية الداخلية على غرار الحاجة إلى مرادفات أو ضعف تردد •بعض الفونيمات، فضلا على العوامل غير اللغوية مثل ضعف التطور التكنولوجي وكذا السيطرة الإعلامية .
لم يقتصر الاقتراض الكثيف للألفاظ العربية من قبل كل اللهجات الأمازيغية في شمال إفريقيا بدون استثناء، على المفاهيم الجديدة على غرار المفاهيم الدينية للإسلام، لكن تعداه ليشمل مجالات أخرى. ذكر منها سالم شاكر:
- الحياة الروحية والدينية (حيث المفردات مقترضة بشكل مكثف من قبل اللهجات الثلاث).
- النشاطات الاقتصادية (المتعلقة بالتبادلات التجارية) ، الشيء الذي يفسر التعريب القديم للأرقام في اللهجة القبائلية و في أغلبية اللهجات " المتوسطية ".
- النشاطات الفكرية.
- المصطلحات الشاملة (المصطلحات التي يشمل معناها عدة كلمات).
كانت اللغة الأمازيغية وعلى مدى آلاف السنين على اتصال دائم مع لغات ناقلة أخرى على غرار البونيقية، اللاتينية، العربية، الفرنسية والإسبانية. من بين كل هذه اللغات، تعتبر اللغة العربية أكبر من أثر فيها خاصة في المستوى المعجمي.
يتساءل هنري باسي " هل اللغة البربرية هي لغة غير متبلورة، محكوم عليها بالخضوع لكل التأثيرات الأجنبية بدون أن تحرك ساكنا؟" لكنه يجيب بالنفي ويقول: " هنا تكمن أكثر سماتها إثارة للاهتمام؛ حيث ورغم أنها تمتص كلمات أجنبية بسخاء، مانحة لها الأفضلية لدرجة أنها تهمل ألفاظها الأكثر تداولا من أجل هذه الكلمات، تتبناها كألفاظها الخاصة من خلال إلباسها حلة بربرية."
و يبدو هنـا أن اللهجات الأمازيغيـة " كيّفت " و"بربرت" أو "مزغت" بسهولـة عددا من المفردات والأصوات الأجنبية، إذ نجد فيها كلمات لاتينيـة على غرار الروضا (Rota) وهي العجلة و الريبا (Ripa) وهو المنحدر وأورثو (Hortus) و هو البستان (35 % من القاموس القبائلي عبارة عن كلمات عربية) إلى جانب كلمات فرنسية و اسبانية ...الخ .
وهكذا يؤكد محمد علي دبوز في كتابه تاريخ المغـرب العربي أن اللغة العربية كانت لانتشارها، واصطباغ الألسن في الدولة الرستمية بها. قد فاضت على اللغة البربرية فمازجتها. ودخل فيها كثير من الألفاظ العربية. فترى لغة أهل المدن سيما العلماء إذا تكلموا بالبربرية ثلث ألفاظها عربية قد تبربرت.
لعل ذلك مردّه أن اللغة البربرية " سلسة مرنة ، تقبل كل الألفاظ الدخيلة فتبربرها فتصبح جزءا منها، فاللغة البربرية فيها كل العناصر التي تتركب منها العربية ففيها الاسم و الفعل والحرف وفيها أساليب العربية من نظم و نثر ومن حقيقة ومجاز. ومن هنا يمكن الاستفادة من المخطوطات الأمازيغية المدونة باللغة العربية لدراسة كيفية اقتراضها للمفردات العربية دراسة علمية وموضوعية.
خاتمة:
رغم الدور الهام الذي لعبته المخطوطات العربية في منطقة شمال إفريقيا كحافظة لمختلف العلوم الدينية والدنيوية على غرار الفقه والتفسير والفلك وغيرها يبقى أن المخطوطات الأمازيغية المدونة بالحرف العربي تشكل مصدرا مهما يجب أن يحظى بالاهتمام نظرا لما يزخر به من موروث ثقافي نفيس، فضلا عن استفادة علماء اللهجات والتهيئة اللغوية منه وذلك من خلال دراسة اللهجات العربية والأمازيغية دراسة تاريخية مقارنة فضلا عن إثراء معجم اللغة الأمازيغية المشتركة لتستفيد من هذا المعجم اللغوي بالإضافة إلى ترسيخ الحرف العربي لكتابة الأمازيغية المشتركة نظرا لخصائصه الجامعة بين مختلف فئات المجتمع الجزائري المستعملة للعربية والأمازيغية.
الهوامش:
أبو القاسم سعد الله، أبحاث و آراء في تاريخ الجزائر، ج 4، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت ، 1996، ص ص 206-207.
المرجع نفسه، ص 207 .
صالح بلعيد ، " اللغة الأم والواقع اللغوي في الجزائري"، اللغة الأم ، مجلة تتناول مقالات في اللغة الأم، دار هومة، الجزائر 2004 ، ص ص 31 - 32.
المرجع نفسه، ص 32.
Salem Chaker, Manuel de linguistique berbère– ll Syntaxe et diachronie, Alger : 1996, ENAG Editions. P. 117.
مبارك بن محمد الميلي، تاريخ الجزائر في القديم والحديث، ج 1، المؤسسة الوطنية للكتاب، د ط، الجزائر، 1989، ص 121.
عثمان الكعاك، البربر، منشورات تاوالت، أعده للنشر تامغناست، دون ذكر البلد، د ط، دت ، ص 79 .
صالح بلعيد ، اللغة الأم و الواقع اللغوي في الجزائر ،ص 19.
عز الدين المناصرة، المسألة الأمازيغية في الجزائر والمغرب، إشكالية التعددية اللغوية، دار الشروق للنشر والتوزيع، ط 1، عمان، الأردن ،1999، ص ص 69 – 70.
المرجع نفسه، ص ص 75 – 76.
محمد أوسوس، أماوال نئمودن، معجم حيواني (فرنسي-أمازيغي-عربي) مؤسسة تاوالت الثقافية، كاليفورنيا، د ت، ص 23.
• الفراغ المعجمي : عدم وجود كلمة واحدة في لغة ما لتدل على شيء معين مما يضطر متكلمو هذه اللغة إلى استعمال عبارة أو جملة للدلالة على هذا الشيء .
• تردد : يقصد به عدد المرات التي يتكرر فيها اهتزاز الوترين الصوتيين ، أو عدد ذبذبات الموجات الصوتية في ثانية من الوقت.
Ahmed Boukous , L’emprunt linguistique en berbère , dépendance et créativité , Etudes et documents berbères 6, La boite à document, Paris, 1986,P 08.
Salem Chaker, Manuel de linguistique berbère– ll Syntaxe et diachronie, P. 118.

Michel Quitout, Grammaire berbère (rifain, tamazight, chleuh, kabyle), Paris : 1997, L’harmattan. P. 28.
Henri Basset, Essai sur la littérature des berbères, Paris : 2001, Ibis Press, P. 26.


Lien :

Ajouté le: 04-03-19

Langue et Lettre Arabe.
- Sociolinguistique.
- Dialectologie.
- Planification linguistique.
- Politique linguistique.

- Baccalauréat en Sciences Humaines 1997.
- Licence en traduction : Arabe – Français – Anglais Université d'Oran 2001.
- Magistère en Dialectologie Université de Tlemcen- 2008.
- Licence sciences politiques et relations internationales - Université de Saida.
- Doctorat science en Dialectologie- Université de Tlemcen 2015.
- Habilitation universitaire - Université de Tlemcen -2017

Langue et Lettre Arabe
- L'aménagement linguistique de la langue Amazigh.
- La dialectologie de dialectes arabes et berbères.
- La cohabitation linguistique en Algérie.

Langue et Lettre Arabe
- Traduction des œuvres linguistique sur la dialectologie.
- La compilation de corpus sur la culture populaire algérienne.
- Etudier l’interaction des fondement de l'identité algérienne l'Islam - la langue arabe et Tamazighte.